العلاقة العربية–الإيرانية: حين تعجز المصاهرة وتنجح الأيديولوجيا
klyoum.com
أخر اخبار اليمن:
السعودية تعلن اعتراض وتدمير مسيرتين في المنطقة الشرقيةلم تتسم العلاقات العربية–الإيرانية بالاستقرار حتى في المرحلة التي شهدت مصاهرةً بين مصر والشاه؛ إذ ظلّ التوتر هو السمة الغالبة على طبيعة تلك العلاقات . فعلى الرغم من زواج ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق عام 1939، وهي خطوة كان يُراد لها أن تمثل جسراً سياسياً بين القاهرة وطهران ، فإن هذا التقارب الرمزي لم ينجح في تغيير البنية العميقة للعلاقة بين إيران ومحيطها العربي . فقد بقيت اعتبارات الجغرافيا السياسية والتنافس على النفوذ واختلاف التصورات الاستراتيجية عوامل تُبقي العلاقة في إطار الحذر المتبادل والتوترات أكثر من كونها علاقة استقرار أو شراكة حقيقية .
غير أن هذه المرحلة نفسها شهدت في المقابل تشكّل مسار مختلف خارج إطار الدولة ، تمثل في محاولات التقارب بين بعض الحركات الإسلامية السنية والشيعية . إذ يذكر الدكتور ثروت الخرباوي في كتابه سرّ المعبد أن لقاءً جرى في القاهرة عام 1938 بين حسن البنا وروح الله الخميني ، في سياق محاولات مبكرة لمدّ جسور التواصل بين التيارات الإسلامية . وقد تطور هذا المسار لاحقًا بصورة أكثر تنظيماً مع تأسيس “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية” في القاهرة عام 1947، التي تولّى إدارتها الشيخ الشيعي محمد تقي القمي ، لتصبح إحدى القنوات الفكرية التي فتحت المجال لتفاعل أوسع بين بعض دوائر الإسلام السياسي السني والشيعي .
وهكذا بينما ظلّت العلاقة بين الدول العربية وإيران محكومة بمنطق التوازنات الجيوسياسية والتوجس المتبادل ، كانت بعض الحركات الأيديولوجية العابرة للحدود تبحث عن مساحات تقارب تتجاوز حدود الدولة القومية . وقد وفّر هذا التفاعل الفكري لاحقًا أرضية مشتركة حول مفاهيم مثل الحاكمية وتسييس الدين ، وهي مفاهيم أسهمت في تقليص أثر الفوارق المذهبية أمام الالتقاء في مشروع سياسي طابعه ثوري يتجاوز الحدود التقليدية للدولة .
ومع قيام الثورة الإيرانية عام 1979 م ظهر أثر هذا المسار الأيديولوجي بصورة أكثر وضوحًا . فقد سعت طهران إلى بناء جسور نفوذ داخل المجال العربي لا عبر العلاقات الرسمية بين الدول فحسب ، بل من خلال التواصل مع حركات وتنظيمات تشترك معها في تصور سياسي ديني عابر للحدود . وفي هذا السياق لم يكن غريبًا أن تتخذ إيران مواقف رمزية تعبّر عن هذا التقاطع؛ إذ أطلقت اسم خالد الإسلامبولي – أحد منفذي عملية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات 1981 _ على أحد شوارع مدينة «مشهد» ، في إشارة سياسية واضحة إلى طبيعة الاصطفاف الأيديولوجي الذي كانت الجمهورية الإسلامية تسعى إلى ترسيخه .
وفي ظل الحرب التي تشهدها المنطقة اليوم بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تجلت الروح العدائية للسياسة الإيرانية تجاه الدول العربية بصورة مباشرة ، حين امتد الاستهداف ليطال دول الخليج العربي والأردن ، في سلوك يعكس تهديدًا صريحًا للأمن القومي العربي . ومع ذلك بدا المشهد العربي مرتبكًا؛ إذ ترددت بعض الدول العربية المحسوبة بثقلها ومركزيتها في اتخاذ مواقف صريحة وقوية تجاه السلوك الإيراني ، وكأن السياسة أُخضعت مرة أخرى لنزعةٍ أيديولوجية على مقتضيات الجغرافيا السياسية وضرورات الأمن القومي .