اخبار اليمن

المشهد اليمني

منوعات

في الحضارة العربية الإسلامية

في الحضارة العربية الإسلامية

klyoum.com

ثمة ظاهرة متكررة، نلحظها بين الحين والحين لدى بعض الكتاب من أنصاف المتعلمين وأرباع المثقفين الذين وجدوا لهم متكأً بين هذا الفضاء الرقمي الواسع، فحواها: خلو الجزيرة العربية من العلماء الكبار قديمًا، أو من مظاهر حضارة وتمدن ورُقي.

هذه ظاهرة ترد بين الحين والحين على أقلام قراء الروايات، الموهومين بالعلم والثقافة وهم خلاء من ذلك، ممن يتفاخر بقراءة شعر كوليردج؛ لكنه لم يقرأ طرفة بن العبد أو زهير بن أبي سلمى أو المتنبي!

ممن قرأ قصص "ميلان كونديرا"؛ لكنه لم يقرأ رسالة الغفران للمعري، أو التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي!

ممن قرأ توما الاكويني؛ لكنه لا يكاد يعرف شيئا عن فقه وفلسفة الغزالي وابن رشد والإمام الشوكاني وغيرهم..!

إنها "القراءة العوراء"، كما كان يقول الفقيه محمد بن إسماعيل العمراني، رحمه الله.

رأيتُ البارحة منشورا لممثل عربي، على صفحته "إكس" والتي يزيد عدد المتابعين فيها على ستة ملايين متابع تعمد نشر 25 عالمًا إسلاميا، قائلا: "ولا واحد منهم من الجزيرة"، يقصد الجزيرة العربية..! وهذه هي القراءة العوراء، المُجتزأة، المُبتسرة؛ بل القراءة العمياء! قراءة من وقف على الجزئيات دون الكليات، قراءة من وقف على الشط، ولم يبحر في اللج، من اكتفى بالقشور دون الأخذ باللباب..!

أقول: ما من حضارة من بين كل الحضارات الإنسانية قاطبة، قديمًا وحديثًا استوعبت غيرها من الأجناس والأعراق والثقافات والمذاهب كالحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي، وما من حضارة قدمت للإنسانية قاطبة ما قدمته الحضارة العربية الإٍسلامية، وما من حضارة على الإطلاق تعاملت بتسامح ورقي مع غيرها كما فعلت الحضارة العربية الإسلامية، من بين ذلك تسامحها مع اليهود الذين نكل بهم: الآشوريون والفرس والفراعنة والرومان قديما، وحديثا الغرب، ولم يحتضنهم ويؤويهم إلا المسلمون، وأمامنا تاريخ كل الحضارات الشرقية والغربية على حد سواء. ويكفي هذه الشهادة من عالم الاجتماع الفرنسي الشهير جوستاف لوبون: "إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحًا مثل دينهم".

وعودة إلى من ينكر على الحضارة العربية الإسلامية إبداعها في شتى العلوم، نقول: خلال قرنين من الزمن فقط على بزوغ شمس الإسلام كانت مدن الإسلام في كل من: مكة والمدينة ودمشق وبغداد والقيروان والقاهرة وصنعاء وأصفهان وخراسان منائر حضارية، تحج إليها مختلف أمم المعمورة، وكانت بغداد أكبر وأجمل حاضرة إنسانية على مستوى العالم خلال القرن الهجري الثاني والثالث، وكانت بيت الحكمة فيها الأكاديمية العالمية الأولى آنذاك، وإن كنا لا نغفل هنا مكتبة الإسكندرية قبل ذلك، ويكفي أن ننقلَ هذه الصورة المشرفة التي رواها أحد أساطين اللغة والأدب، وهو خلف بن المثنى، يقول: "لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلسٍ لا يُعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة، وهم: الخليل بن أحمد صاحب النحو، وهو "سني"، والحميري الشاعر، وهو "شيعي"، وصالح بن عبد القدوس، وهو "زنديق ثنوي"، وسفيان بن مجامع، وهو "خارجي صفري"، وبشّار بن بُرد، وهو "شعوبي خليع ماجن"، وحمّاد عجرد، وهو "زنديق شعوبي"، وابن رأس الجالوت الشاعر، وهو يهودي"، وابن نظير المتكلم، وهو "نصراني"، وعمر بن المؤيد، وهو "مجوسي"، وابن سنان الحرّاني الشاعر، وهو "صابئي"، كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار، ويتحدثون في جوٍّ من الود لا تكاد تعرف منهم أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في ديانتهم ومذاهبهم"!

وجميع هؤلاء عاشوا في نهاية العصر الأموي، وبداية العصر العباسي الأول.

وعودة إلى وهم الإشكاليّة التي يقع فيها البعض بسبب ألقاب بعض العلماء، وكأنّ هؤلاء لم يقفوا على موضوع مهم من علوم الصرف، وهو موضوع النسب؛ حيث يكون إما للعائلة، أو القبيلة، أو المهنة، أو المكان الذي هاجر إليه صاحب النسب، فهناك علماء انتسبوا إلى مِهنهم: كالتوحيدي والزجاج والزيات والسمان والوراق والقصاب.. إلخ.

وهناك علماء رحلوا إلى بلاد فارس، واستقروا فيها، وانتسبوا إليها، كالضحاك الخراساني، وهو عربي من بني هلال، وابن سريج الخراساني، وهو عربي من بني تميم، ونصر بن حاجب الخراساني، وهو من قريش، وإبراهيم البلخي، وهو من بني تميم، والجرجاني، وهو من باهلة، وشقيق البلخي من الأزد، والجوزجاني من بني سعد، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، من بني قشير، والدينوري، من ثقيف، وغيرهم الكثير، وقد أحصى الباحث الدكتور ناجي معروف أكثر من ثلاثمئة عالم عربي، انتسبوا إلى مُدنٍ فارسية وغير فارسية، واشتهروا بها، وذلك في كتابه: عروبة العلماء المنسوبين إلى البلدان الأعجمية في المشرق الإسلامي.

إلى ذلك أيضًا فإن العلماء المسلمين من غير العرب كانوا من نتاج الحضارة الإسلامية والثقافة العربية ذاتها التي ولدوا ونشأوا تحت رايتها، من بلاد الأندلس إلى الهند، إلى بلاد فارس وأواسط آسيا، إلى أقاصي أفريقيا. جميع هؤلاء تأثروا بالحضارة العربية الإسلامية، وكانت لغتهم في الغالب هي اللغة العربية، وبها كتبوا، بما تحمله اللغة ــ أي لغة ــ من ثقافة وفكر وعلوم وفلسفة. لقد كتب علماء الرياضيات والفيزياء والكيمياء والخيمياء والأرَاضَة باللغة العربية، وفي العصر الأندلسي كان من يجيدُ اللغة العربية من الفرنج يُعتبر من الشخصيات الثقافية المرموقة في المجتمع.

حضارة عربية إسلامية باذخة، استوعبت اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وغيرهم، وهو ما لا نجده اليوم عند دعاة المدنية الحديثة، وكأنهم أول من رفع شعار المساواة والمدنية والحقوق..!

أخيرا، نحن في أمس الحاجة لأن نعرف تاريخنا وحضارتنا، ونعي المنجز الحضاري القديم الذي حمل لواءه أجدادنا الأوائل بالأمس، لعل وعسى أن يحرك فينا ركود الحاضر الذي نعيشه، متأثرين بأوهام الدعايات الغربية الزائفة التي انطلت حتى على بعض النخب للأسف، وروجوا لها جهلا بين العامة.

*المصدر: المشهد اليمني | almashhad-alyemeni.com
اخبار اليمن على مدار الساعة