الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس! (3-5)
klyoum.com
أخر اخبار اليمن:
برنت يتجاوز 112 دولارا مع اتساع استهداف منشآت الطاقة بالخليجتصحيح جمعة رجب
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة بعد عام من غزوة مؤتة، وخرج النبي –صلى الله عليه وسلم- بجيشه من المدينة في رجب، كما تقول السير والمؤرخون، وأن وقت الغزوة استمر خمسين يوماً، منها شهر كامل مسافة الطريق ذهاباً وإياباً، وعشرون يوماً مكث فيها النبي مع الجيش في تبوك؛ أي إنه عاد في أواخر شهر رمضان المبارك من ذلك العام.
وحيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذاً إلى اليمن بعد عودته مباشرة من تبوك، كما تذكر رسالته إلى الحارث بن عبد كلال، فإن معاذاً لم يصل الجند في جمادى الآخرة وإقامة أول جمعة فيها في رجب من ذلك العام، كما قال الجندي في السلوك، وهو يدحض جمعة رجب التي يحج فيها اليمنيون إلى جامع الجند، إلا أنه يمكن ذلك إذا كان ظل يسير تسعة أشهر كما ذكر الجندي في رواية من الروايات أنه مر من طريق الشحر، وعليه سيكون وصوله الجند في العام العاشر الهجري وليس التاسع، بينما يذهب الأكوع محمد علي إلى أن معاذاً مر من طريق صعدة وعرج على صنعاء ورفض المكوث فيها اتباعاً لوصية وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نزل بعد ذلك إلى الجند لتنفيذ الأمر حرفياً، فقد كان يرد على أهل صنعاء "ما هكذا أوصاني خليلي"، ومن هنا ذهب الأكوع متفرداً للقول إن مسجدي صعدة وصنعاء بناهما معاذ أيضاً على مبرك ناقة رسول الله وهو أمر لم يثبت عن معاذ نفسه وقد دحضته الروايات المختلفة ومنها رواية وبر بن يحنس أو حنش الخزاعي الذي تحدث عن أنه هو من بنى مسجد صنعاء في السنة الحادية عشرة أثناء مرض الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي توفي فيه.
عاصمة الدولة الإسلامية
مع وصول رسول رسول الله معاذ بن جبل إلى الجند تم إحياء المدينة، وبعث الروح فيها مجدداً، واتخذت عاصمة أولى للدولة الإسلامية في اليمن، ولم تكن مجرد مركز ديني وثقافي وإشعاع علمي فقط يتم تعليم الناس فيها الشرائع والفقه، بل كانت كذلك مقر الأمير وعاصمة الولاية؛ منها يبعث الجيوش، ويتخذ القرارات السياسية، وفيها يستقبل الوفود اليمنية المختلفة، ومنها يرسل المدد إلى المدينة المنورة، ومنها ينشر الإسلام في بقية أجزاء اليمن مما لم يدخلها الإسلام.
ومع تأسيس الجامع كمركز إشعاع للنور والتعليم واستقبال المتعلمين والمعلمين بدأ الناس ينجذبون إليها من كل مكان؛ فقد كانت الجُمَع لا تنعقد إلا في ذلك الجامع، وبدأ اليمنيون يشدون الرحال إليه حتى تناسلت المساجد بعد ذلك في كل المناطق اليمنية، وهناك رواية للجندي تقول إن معاذاً بنى مسجد صيد (مسجد نقيل سمارة) عند طلوعه من الجند إلى صنعاء لتبليغ رسالة النبي إلى أهل صنعاء وقراءتها عليهم.
ومع عودة معاذ بن جبل –رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ترك خلفه مدينة مزدحمة، واستخلف عليها عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي، ثم يعلي بن أمية، ثم سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، ثم بدأ العلماء ممن أدركوا النبي بالعودة إليها، ومن بعدهم جاء التابعون وأشهرهم طاووس بن كيسان الحميري، وعطاء بن أبي رباح، وأبو قرة صاحب السنن من رجال الحديث من أهالي الجند.
بعد ذلك كان الخلفاء الراشدون يرسلون الولاة على اليمن؛ والياً على الجند ووالياً على صنعاء، ووالياً على تهامة، ووالياً على حضرموت، ووالياً على نجران، وظلت الجند تحكم عدن وأبين ولحج والمعافر وإب وجزءاً من تهامة ويافع.
الحال الاجتماعي والثقافي في الجند
من خلال الرسائل وأحاديث النبي، والأحداث التاريخية فإن المجتمع اليمني عامة والجندي خاصة كان يتكون من ثلاثة مكونات اجتماعية وثقافية؛ اليهود، والمسيحيين، وبقية اليمنيين من غير الديانتين الذين ظلوا يعبدون الكواكب والنجوم؛ إذ لم يهيمن الدين اليهودي كلية ولا المسيحي أيضاً، لذلك بقي بقية باقية من غير الديانتين، وهذا التنوع يعكس حالة من التعايش الذي يحدث نوعاً من الإبداع الثقافي والاجتماعي والفكري، غير أن تدويناته لم تصل إلينا إلا بعض الإشارات من أن الجند كان سوقاً ثقافياً أيضاً كعكاظ يتبارى فيه الشعراء ويلقون قصائدهم فيه، غير أنه لم تصلنا من هذه الأشعار ولم يدون شيء منها أو يتم تناقلها كما هو الحال عن عكاظ.
وقد كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- إشارة أخرى إلى ذلك الحراك العلمي والثقافي والفكري، من خلال وصيته لمعاذ: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة؛ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"...إلخ
فقد كانت لديهم المحاجاة والمناظرة والحراك الثقافي ومنها هذه الإشارة التي تشير إلى ذلك.
إنه من المؤكد أن تاريخ الجند لم يبدأ مع مبعث معاذ إليها؛ فقد كان مبعثه –باعتقادي- عملية إحيائية لتاريخ المنطقة من ناحية، كما سيتضح لاحقاً عند ذكر آثار الجند في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، وتوجس القائد العسكري صاحب البعد الاستراتيجي المدرك لأهميتها من ناحية أخرى، وتوسع الدعوة والدولة الإسلامية في الجزيرة العربية وتأمين المحيط من جهة ثالثة، خاصة وقد كان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدرك معنى بناء الجيوش وتنظيمها والدول الأقرب عربياً ورحماً، ومعرفة اليمن بذلك التنظيم المؤسسي للدولة، وسندرك كل ذلك من خلال ترحيبه بملوك وأقيال ووفود اليمن حينما جاءوه واستقبلهم بحفاوة بالغة بعد ذلك التاريخ، دون غيرهم من الوفود العربية المحيطة التي تشاءم من بعضها كوفدي تميم واليمامة، فقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- ينظر إلى أهل اليمن كمدد في الجيوش، وكان حريصاً على التوسع خارج المنطقة والجزيرة العربية، ولا يكون هذا التوسع إلا بمادة من الجيوش والسكان الذين يحيون المناطق التي يتم فتحها.
وهذا الأمر نجده عند النبي في أربع حالات:
- الحالة الأولى أن إرساله معاذاً إلى اليمن لما تمثله من عدد سكاني كبير في حينه مقارنة بالمجتمع المدني وبقية القبائل الموالية له، وهو حريص على هذا المدد، خاصة وهو قادم من أطراف الجزيرة لمواجهة الروم وما يمثله الروم من تعداد هائل في الجيوش والسكان والتمدد الإمبراطوري، وقد رأى الحاجة العملية واقعاً معاشاً أمامه في تلك الغزوة
- الحالة الثانية حديثه عن أهل اليمن بأنهم مدد هذا الدين، وثناؤه عليهم، وتكبيره حينما جاءوه مسلمين، وابتهاجه بهم، واعتبار قدومهم نصراً وفتحاً على الإسلام والمسلمين وقوله: "الله أكبر.. جاء نصر الله والفتح"، ثم إشارته في أحاديثه الأخرى عن مدد أهل اليمن بقوله: "إن الله عز وجل استقبل بي الشام، وولى ظهري لليمن، وقال لي: يا محمد، جعلت ما تجاهك غنيمة ورزقا، وما خلف ظهرك مددا، ولا يزال الإسلام يزيد، وينقص الشرك وأهله حتى تسير المرأتان لا تخشيان جورا".
- الحالة الثالثة حرصه الشديد على إنفاذ جيش أسامة إلى الشام لمواجهة الروم حتى وهو في سكرات الموت بعد توافد اليمنيين أفواجاً إليه، خاصة وقد طلب من الحارث بن عبد كلال مواجهة المشركين من اليمنيين ورفده بعد ذلك، وهذا الرفد لم يتحقق بشكل كبير إلا في خلافة عمر لمواجهة الفرس والروم، وهنا تحققت نبوءته ومراده –صلى الله عليه وسلم-.
وقوله أيضاً عن أهل اليمن: "دَعَائِمُ أُمَّتِي أَهْلُ الْيَمَنِ".. ولم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أشد حرصاً في أنفاسه الأخيرة من شيئين اثنين؛ وصيته بالصلاة (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، (هل صلى الناس؟)، وإنفاذ جيش أسامة إلى الشام؛ فقد كان يفيق من غيبوبته ويسأل: "هل أنفذتم جيش أسامة؟ هل أنفذتم جيش أسامة؟!"، "هل صلى الناس؟!"..
- الحالة الرابعة إدراكه -صلى الله عليه وسلم- عن أهل اليمن كبقية دولة منظمة في الجزيرة العربية بجيش مؤسسي معروف ومنظم ومعرفته بالمواجهات المختلفة ومنها ما هو قريب من مواجهة الأحباش ومواجهة جيش الأسود العنسي، وبالتالي مثل هذه المواصفات حري الأخذ بها والحرص عليها في تنشئة وتكوين الجيوش لمواجهة جيوش جرارة لأكبر امبراطوريتين على الأرض حينها الفرس والروم، وكأنه يحرص على تغيير موازين القوى بتكوين جيش عربي إسلامي لمقارعتها ونشر الإسلام في أرضها، وهو ما كان لاحقاً.
.....يتبع