عقود بتوقيع البنادق.. من يبيع مدينة نيالا؟
klyoum.com
أخر اخبار السودان:
إلي جهة الإختصاص الفريق عمر نمر يكتب شكرا أرتريا ..شكرا أفورقيمتابعات- نبض السودان
لم يكن مهند عثمان يتوقع أن يتحول غياب أسرته القسري عن منزلهم بحي المطار في نيالا إلى فرصة لبيع المنزل نفسه.
وبينما كانت عائلته تهرب بحثًا عن الأمان بعيدًا عن الحرب، كان سماسرة يستغلون خلو المنزل ويزورون عقد الملكية المسجل باسم والده، ثم يعرضونه للبيع مقابل مئة مليون جنيه قبل أن يهبط السعر إلى ستين مليونًا فقط، وهو مبلغ لا يكفي حتى لشراء قطعة أرض فارغة في المنطقة ذاتها.
لكن الصدفة وحدها أنقذت الموقف، إذ تعرف المشتري المحتمل على اسم والد مهند وقارن بين الأسماء، لتتكشف محاولة البيع قبل إكمالها. بالنسبة لمهند، لم تكن هذه مجرد محاولة احتيال، بل إعلانًا صريحًا عن حالة فوضى الأراضي التي تضرب المدينة منذ الحرب، وغياب أصحاب المنازل أصبح ثغرة يستغلها سماسرة وجهات نافذة للتلاعب بالعقود.
شبكة تزوير واسعة بعد سيطرة الدعم السريع
تكشف شهادات سكان محليين وموظفين أن عمليات التزوير لم تتوقف عند المنازل الخالية بسبب الحرب، بل طالت ساحات عامة ومربعات احتياطية ومراكز خدمية جرى تحويلها إلى قطع سكنية والتصرف فيها عبر نافذين في الإدارة المدنية التابعة لمليشيا الدعم السريع. ووفقًا لروايات متعددة، بدأ هذا التلاعب فور سيطرة القوات على نيالا في أكتوبر 2023، حيث جرى تخطيط الساحات العامة المخصصة للأندية الشبابية والملاعب والاحتياطي الحكومي رغم أنها كانت جزءًا أساسيًا من البنية المجتمعية للأحياء لعقود طويلة.
اعتقال مسؤولين ووسطاء
ومع تصاعد شكاوى المواطنين، رصدت الإدارة المدنية معلومات دقيقة حول مجموعات متورطة في تزوير شهادات البحث والعقود الرسمية. وأسفرت المتابعات عن توقيف عدد من الموظفين والوسطاء في وزارة البنية التحتية وإدارة الأراضي. وتشير إفادات مصادر مطلعة إلى توقيف مدير مكتب المدير العام، ومدير إدارة الأراضي، ومدير الاستثمار، ومدير أراضي نيالا شمال، ومفتش الأراضي، إضافة إلى محامين وسماسرة معروفين.
وقد نقلوا جميعًا إلى سجن دقريس، وما يزالون قيد الاحتجاز بتهم تتعلق ببيع أراضٍ في مناطق واسعة جنوب وغرب وشرق المدينة، إلى جانب ثلاثة ميادين عامة وأجزاء من قشلاق الشرطة قرب ديوان الزكاة.وتضيف مصادر من داخل الإدارة المدنية أن الضابط الإداري الموقوف في السوق الشعبي كان بحوزته 300 عقد منزل جاهز للبيع، قبل نقله إلى السجن.
تعديات على الساحات العامة وممتلكات الدولة
وفي شمال نيالا، يقول عبد الفتاح إبراهيم يحيى من حي الثورة إن ضابطًا برتبة عقيد استولى على مساحة واسعة من ميدان الحي وبدأ في حفر الأساس قبل أن يتدخل السكان ورئيس الإدارة المدنية لإيقافه. وتحدثت إسراء محمود من حي المدينة المنورة عن بناء منازل جديدة على قطع تعود لسكان المنطقة على طريق الكنغو رمالية، مؤكدة أن نافذين في مليشيا الدعم السريع وزعوها على أقاربهم بعقود رسمية، الأمر الذي أدى لارتفاع أسعار الأراضي من نصف مليون إلى أكثر من خمسة ملايين جنيه خلال عام
وتؤكد ست شهادات متطابقة أن مليشيا الدعم السريع استولت على منازل قشلاق الجيش غرب المدينة وبدأت في تأهيلها وبيعها لأفرادها، كما سجلت منازل قشلاق الشرطة شمال السوق الكبير لصالح ضباطها، رغم تبرير بعض القيادات بأن هذه المساكن ستخصص للجرحى وأسر القتلى.
قرار من بورتسودان… لكنه بلا نفوذ على الأرض
ومع اتساع عمليات البيع والتزوير، أصدرت حكومة بورتسودان عبر والي جنوب دارفور بشير مرسال قرارًا في 28 أكتوبر 2024 بإيقاف 67 موظفًا في وزارات المالية والتخطيط والصحة والتربية وإحالتهم للتحقيق في قضايا فساد تتعلق بالتصرف في استثمارات الأراضي والعقود الحكومية.لكن في ظل عدم سيطرة هذه الحكومة على نيالا منذ أكتوبر 2023، بدا القرار أقرب إلى محاولة لإظهار حضور إداري أكثر من كونه إجراء قابلًا للتنفيذ، خاصة وأن غالبية عمليات التزوير تتم تحت إشراف قيادات تفرض سلطتها على الأرض. وتشير معلومات أخرى إلى أن أمين الحكومة ونائب الوالي كوّن لجنة تخطيط جديدة تحت ضغط مباشر من ضابطين في مليشيا الدعم السريع، حيث أدى أعضاء اللجنة القسم أمامهما، وتولى لاحقًا علي محمود شرارة إدارة وزارة التخطيط العمراني.
سوق “البوكو” مركز تجارة العقود المزورة
ويشير موظف في الوزارة – عرّف نفسه باسم مستعار هو سليمان – إلى أن العقود الأصلية مخزنة بأرقام متسلسلة في إدارة فنية متخصصة، وأن تزوير العقود المزدوجة لا يتم إلا عبر موظفين داخل الوزارة مقابل مبالغ مالية أو عبر سماسرة. ويوضح أن سوقًا غير رسمي يعرف باسم “البوكو” أصبح المركز الرئيس لبيع العقود المزورة.وتضم الوزارة أكثر من 700 موظف، لكن أقل من 40 منهم استمروا في العمل بعد سيطرة مليشيا الدعم السريع.ويعود مصطلح “البوكو” إلى بدايات الألفية في الغرب السوداني مع انتشار السيارات المهربة دون أوراق رسمية، ثم اتسع ليشمل كل سلعة تُباع خارج الأطر القانونية.
منزل واحد… وثلاثة عقود في السوق
وفي مناطق مختلفة من المدينة، تحدث مواطنون عن تحويل مربعات واسعة من الساحات العامة إلى خطط سكنية جديدة. وأكد عضو سابق في لجنة التغيير والخدمات أن مساحة كبيرة مخصصة لمركز شباب حي الأندلس جرى تحويلها إلى منازل مقابل مبالغ زهيدة.ويقول السمسار حسين آدم إن التلاعب في تسجيلات الأراضي ليس جديدًا، لكنه تفاقم مع الحرب، إذ ظهرت عقود مزورة في مربعات متعددة، ويجري بيع منازل دون أوراق تثبت الملكية. ويشرح أن لكل منزل ثلاث نسخ من العقد، واحدة لدى المحكمة وأخرى في الأرشيف وثالثة لدى المالك، وأن حصول شخص على إحدى هذه النسخ يتيح له التلاعب بها وبيعها خاصة بعد توقف عمل محكمة التسجيل التي كانت تميز العقود الصحيحة من المزورة.
اتهامات للإدارة المدنية… ونفي رسمي
ومع توسع الظاهرة، بدأ سكان المدينة يوجهون اتهامات مباشرة للإدارة المدنية بالتواطؤ أو المشاركة في توزيع الساحات العامة. لكن الإدارة نفت في بيان رسمي بيع أي ساحات عامة، مؤكدة وقف العمل منذ مايو، كما ألغت عقودًا أبرمت شمال مدرسة حي المجلس وغرب مدرسة الشمالية.وبحسب مسؤول في محلية نيالا شمال، فإن الفساد مثبت بالأدلة وأن عددًا من المتهمين موقوفون، بينهم مسؤولون في البنية التحتية، بينما يتهم ضباط في الدعم السريع بتصدر الاعتداءات على الأراضي.
غياب الرد الرسمي يفتح الباب لأسئلة أكبر
وبناءً على المعلومات التي جمعتها دارفور24، وُجهت أسئلة لمدير التخطيط العمراني علي محمود شرارة حول أسباب توقيف مديري الإدارات، واتهامات التزوير، وضبط عقود جاهزة للبيع، وشبهات تدخلات من قيادات مليشيا الدعم السريع في تشكيل لجنة التخطيط الجديدة.كما طُلبت توضيحات بشأن الاتهامات المتعلقة بالاستيلاء على الساحات العامة، ودور الوزارة في ضبط التجاوزات، وما إذا كانت هناك قائمة رسمية بالمتهمين. ورغم التواصل معه لأكثر من أسبوع وتلقي وعود متكررة بالرد، لم يصل أي تعليق حتى لحظة إعداد هذا التقرير.