اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

العقل العربي الملتبس

العقل العربي الملتبس

klyoum.com

د. مشاري النعيم

"العقل العربي الملتبس" ليس قدرًا محتومًا، بل مرحلة يمكن تجاوزها، شريطة الاعتراف بها، والعمل على تفكيك بنيتها، لا الاكتفاء بوصفها.. فالتاريخ لا يكافئ من يملك الشعارات، بل من يملك القدرة على تحويلها إلى وعي، ثم إلى فعل..

ليس الالتباس الذي يطبع العقل العربي المعاصر حالة عابرة أو طارئة، بل هو تعبير عن تحوّل عميق في بنية الوعي ذاته، حيث تتقاطع فيه التحولات التقنية مع هشاشة البناء المعرفي، لتنتج نمطًا من التفكير يتسم بالتشظي، وفقدان الاتساق، والعجز عن إنتاج معنى مستقر.

لقد أدت الطفرة الرقمية، وعلى وجه الخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، إلى إعادة توزيع سلطة المعرفة، فلم تعد محصورة في النخب أو المؤسسات، بل أصبحت مشاعة ومفتوحة، وهو تحول يبدو في ظاهره ديموقراطيًا، لكنه في العمق أفرز طبقة واسعة من منتجي الخطاب غير المؤهلين معرفيًا. هذه الطبقة لا تعاني من محدودية الأدوات التحليلية فقط، بل تمارس إعادة إنتاج المعرفة في صورتها الأكثر اختزالًا وتسطيحًا، مما أدى إلى تفكيك المعايير التقليدية للحقيقة، واستبدالها بما يمكن تسميته بـ"رأي اللحظة".

في هذا السياق، لم يعد العقل العربي ينتج مواقفه عبر التراكم والتفكير النقدي، بل عبر التفاعل السريع مع الحدث، وهو ما أفضى إلى سيولة فكرية عالية، تتبدل فيها القناعات بتبدل السياقات، وتختلط فيها المفاهيم إلى حد التناقض. وهنا، لا يعود الالتباس مجرد غموض، بل يصبح بنية قائمة بذاتها، تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

وتتجلى هذه البنية بوضوح في التعاطي العربي مع التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث يكشف المشهد عن عجز مزمن في تحويل الإدراك إلى موقف، أو في ترجمة المصالح إلى استراتيجيات. فالأزمات الكبرى لا تُقرأ بوصفها لحظات اختبار للوعي، بل تتحول إلى مساحات لإسقاط الانفعالات، أو إعادة إنتاج الانقسامات القائمة، وفي هذا الإطار، لا تعكس المواقف العربية تباينًا في الاجتهاد بقدر ما تكشف عن غياب المرجعية الفكرية الجامعة.

لقد فقدت الفكرة العربية الجامعة قدرتها على الاشتغال، ليس بسبب الاختلافات السياسية فقط، بل نتيجة تآكل الأساس المفاهيمي الذي كانت تقوم عليه، فمفاهيم مثل: "الوحدة"، و"المصير المشترك"، و"الهوية العربية"، لم تعد فاعلة في تشكيل السلوك السياسي، بل تحولت إلى رموز خطابية منفصلة عن الواقع. وفي المقابل، صعدت أنماط من التفكير القُطري أو الأيديولوجي الضيق، تعيد تعريف المصالح ضمن أطر محدودة، وتُقصي أي تصور تكاملي أوسع.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد انقسام، بل تفكك في القدرة على إنتاج معنى مشترك، فالتعدد لم يُدر بوصفه ثراءً، بل تُرك ليتحول إلى تباعد، بل إلى تناقض أحيانًا، ومع غياب الأطر الفكرية القادرة على استيعاب هذا التعدد، أصبح المجال العربي فضاءً مفتوحًا للتجاذب، دون أن يمتلك أدوات تنظيم هذا الاختلاف.

وفي خضم هذا المشهد، تكشف بعض المواقف من الأزمات الإقليمية عن أزمة أعمق في تمثّل الذات العربية لذاتها، إذ لم يعد السؤال متعلقًا فقط بكيفية التعامل مع الآخر، بل بكيفية تعريف الذات نفسها: هل هي كيان ثقافي جامع؟ أم مجرد وحدات سياسية متجاورة؟ أم فضاء رمزي يُستدعى عند الحاجة الخطابية فقط؟ هذا التردد في تعريف الذات هو أحد أبرز مظاهر الالتباس.

وإذا كان العقل العربي قد انتقل من خطاب الوحدة إلى واقع التشظي، ومن فكرة المصير المشترك إلى الانكفاء، فإن ذلك لا يعكس مجرد فشل سياسي، بل يكشف عن أزمة في إنتاج الوعي ذاته، فالشعارات لم تعد تتحول إلى أفعال، لأن الوسيط الذي يفترض أن يقوم بهذه الترجمة أي العقل النقدي قد أصابه التآكل.

إن الخروج من هذا الالتباس لا يمكن أن يتم عبر استعادة الخطابات القديمة، ولا عبر مزيد من الانفعال اللحظي، بل يتطلب إعادة تأسيس العلاقة مع المعرفة، ومع السياسة، ومع الذات. نحن بحاجة إلى عقل يعيد ترتيب أولوياته، ويستعيد قدرته على التمييز، ويعيد بناء مفاهيمه على أسس تحليلية لا انفعالية.

كما أن المسؤولية هنا لا تقع على السياسي فقط، بل على المثقف أيضًا، الذي تراجع دوره من منتج للمعنى إلى متفاعل مع الضجيج، فإعادة بناء العقل العربي تمر حتمًا عبر استعادة وظيفة المثقف بوصفه ناقدًا ومنتجًا للرؤية، لا مجرد صدى للحدث.

إن "العقل العربي الملتبس" ليس قدرًا محتومًا، بل مرحلة يمكن تجاوزها، شريطة الاعتراف بها، والعمل على تفكيك بنيتها، لا الاكتفاء بوصفها. فالتاريخ لا يكافئ من يملك الشعارات، بل من يملك القدرة على تحويلها إلى وعي، ثم إلى فعل.

ويمكن النظر إلى هذا الالتباس أيضًا بوصفه نتيجة لخلل في العلاقة بين المعرفة والسلطة داخل المجال العربي، فالمعرفة لم تعد تُنتج لتوجيه القرار أو نقده، بل كثيرًا ما تُوظف لتبريره أو تزيينه، مما أفقدها استقلاليتها ودورها التأسيسي. وفي المقابل، لم تعد السلطة السياسية قادرة أو راغبة في الاستناد إلى المعرفة بوصفها أداة للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، بل أصبحت أسيرة منطق الاستجابة السريعة للضغوط الداخلية والخارجية. هذا الانفصال بين المعرفة والقرار، أسهم في تعميق حالة الالتباس، حيث تغيب الرؤية طويلة الأمد، وتحضر المعالجات الظرفية.

كما أن التحولات الجيلية تلعب دورًا مهمًا في تكريس هذا الواقع، حيث نشهد فجوة متزايدة بين أجيال تشكّلت وعيها في سياقات مختلفة تمامًا، فبين جيل يحمل ذاكرة المشروعات القومية الكبرى، وجيل آخر تشكّل وعيه داخل الفضاء الرقمي المفتوح، تتباين طرق الفهم والتحليل، بل وحتى تعريف القضايا ذاتها. هذه الفجوة لم تُدرْ عبر حوار معرفي حقيقي، بل تُركت لتتحول إلى انقطاع في التواصل، مما أدى إلى تضارب في الرؤى، وزيادة في حدة الاستقطاب، بدل أن تكون مصدرًا لتجديد الفكر وتطويره.

ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن العقل العربي اليوم يواجه أزمة في "إنتاج المعنى" أكثر من كونه يواجه أزمة في "المواقف"، فالمواقف على تباينها تظل انعكاسًا لبنية أعمق تتعلق بكيفية فهم العالم وتفسيره، وعندما تضطرب هذه البنية، يصبح من الطبيعي أن تتعدد القراءات، وتتناقض التفسيرات، ويغيب الإطار الذي يمكن من خلاله بناء توافق أو حتى اختلاف منظم. إن إعادة إنتاج المعنى تتطلب مشروعًا معرفيًا طويل النفس، يعيد ربط الإنسان العربي بسياقه التاريخي والحضاري، ويمنحه أدوات قراءة الواقع بعيدًا عن التبسيط أو الانفعال.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة