"الصمت المؤسسي" تواصل.. ولا تواصل
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
تقارير.. رحيل رينارد عن تدريب الأخضرد. سعود المريشد
في زمن باتت فيه المعلومة تنتقل بسرعة متناهية، وأصبح الرأي العام يتشكل في ثوان معدودة عبر منصات التواصل الاجتماعي وقنوات الإعلام الرقمي، يجد المواطن نفسه أحياناً أمام مشهد يثير تساؤلات جوهرية حول فلسفة التواصل المؤسسي وطبيعة أهدافه الحقيقية؛ فعندما يطرح رأي موضوعي، أو نقد بناء، أو مقترح يصب في خدمة الصالح العام، فلا يلقى إلا الصمت المدوي من بعض الجهات المعنية؛ وهو صمت لا يفسر بغياب الإمكانات، إذ إن كثيراً من هذه الجهات باتت تمتلك أقساماً متخصصة للتواصل المؤسسي، ومتحدثين رسميين معينين، وحسابات فاعلة على منصات التواصل، بل وتطلق بين الحين والآخر حملات تحث المجتمع على التفاعل والمشاركة والإبلاغ؛ غير أن هذا البنيان المؤسسي يبدو في أحيان كثيرة واجهة للتجميل أكثر منه أداة حقيقية للتواصل، الأمر الذي قد يحد من انسيابية التواصل بين الجهات المعنية والرأي العام، ويؤثر تدريجياً على مستوى الثقة في الرسائل الإعلامية الرسمية، هذا الواقع وأهميته لم يكن خافياً على صانع القرار، ولهذا صدرت عدة أوامر ملكية كريمة في فترة سابقة وعلى مراحل متعاقبة تعالج هذه الإشكالية بصورة صريحة وحازمة؛ وقد نبهت تلك التوجيهات الكريمة في مرحلة أولى إلى افتقار كثير مما ينشر عن الجهات الحكومية إلى الدقة والموضوعية، وطالبت تلك الجهات بالرد في وقته لإيضاح الحقائق، مؤكدة أن التأخر في الرد يفضي إلى آثار سلبية لا تحمد عقباها؛ ثم جاءت توجيهات لاحقة أكثر وضوحاً، أكدت أن صمت الجهة الحكومية إزاء ما ينشر يعد في حكم الإقرار بما وجه إليها، وأوجبت المبادرة الفورية بالرد؛ وفيما بعد توجت تلك التوجيهات الملكية الكريمة كلها بقرار لمجلس الوزراء الموقر والذي جاء بمنهجية تفصيلية شاملة، إذ أوجب تعيين متحدثين رسميين، وتفعيل إدارات العلاقات العامة، وفتح قنوات تواصل حقيقية مع وسائل الإعلام، والتجاوب الفوري مع ما ينشر بدقة ووضوح، مع التأكيد على اللجوء للجهات المختصة حين يتجاوز النقد حدوده البناءة؛ وهي منظومة تنظيمية متكاملة، تكشف عن إدراك عميق لخطورة الصمت المؤسسي وتداعياته.
غير أن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال واسعة، فكثير من الجهات الحكومية تتعامل مع ملف الإعلام بعقلية الاستجابة الاضطرارية لا المبادرة المؤسسية الواعية، وتوظف أقسام التواصل لديها في إنتاج المحتوى الترويجي، بينما تتراجع إلى الصمت حين يطرح النقد الجاد أو المقترح الجوهري؛ والأدهى أن بعضها قد يرد على الانتقادات التافهة ويتجاهل الملاحظات المحورية والطرح البناء ذي الأثر الوطني البالغ؛ ولمعالجة هذا الخلل يقترح إخضاع المتحدثين الرسميين لتقييم دوري مرتبط بمؤشرات استجابة حقيقية قابلة للقياس؛ وإنشاء وحدات رصد إعلامي داخل كل جهة تصنف المحتوى الموجه إليها وتلزم بالرد المنهجي في مدد زمنية محددة؛ وأخيراً، تعزيز ثقافة الشفافية المؤسسية بوصفها قيمة تنظيمية، فالصمت في مواجهة الرأي العام يعد تقصيراً مؤسسياً؛ ولهذا نقول وعطفاً على ما ترسخ في هذا العهد الميمون من شفافية وانفتاح حقيقي على الرأي العام، وحرص بالغ على التجاوب مع ما يطرح في وسائل الإعلام بكافة أشكالها التقليدية والرقمية، إن على المؤسسات الحكومية تجسيد التوجهات السامية واقعاً، أذ أضحى الصمت تقصيراً في الواجب الوظيفي والوطني.