ليست شجرة البلدية
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
وطن لا تهزه الاعتداءاتفهد الأحمري
هناك فرق بين أن تمر بشجرة، وأن تمر بشجرة زرعتها بيدك.. الأولى جزء من الشارع، أما الثانية، ففيها شيء منك.
ربما لهذا تستحق مبادرة وزارة البلديات والإسكان، التي شارك فيها أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة مع 17 أمانة في أعمال التشجير ومعالجة التشوه البصري والعناية بالشواطئ وطلاء المدارس، أن تُقرأ من زاوية مختلفة تماما.
المسألة ليست عدد الأشجار التي زُرعت، ولا الأمتار التي نُظفت؛ بل ماذا حدث داخل الطالب نفسه، وهو يقوم بذلك؟
نحن ننفق كثيرا على صناعة المكان، لكن صناعة علاقة الإنسان بالمكان قد تكون الاستثمار الأذكى.. فالحديقة التي تصنعها البلدية جميلة، لكن الحديقة التي شارك الطفل في غرس شجرة فيها تصبح جزءا من ذاكرته.. والجدار الذي طلاه بيده لن يعود مجرد جدار حكومي؛ سيعرف كم احتاج إصلاحه من وقت وجهد عندما يرى يداً أخرى تعبث به.
هنا يتغير تعريف الممتلكات العامة، فكلمة "عامة" قد تفهم نفسيا أحيانا بأنها: ليست لأحد.. بينما نحتاج إلى قلب المعنى تماما لتصبح: هي لنا جميعا.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله المدن مستقبلا أن تمنح سكانها فرصة أكبر للمشاركة في صنع تفاصيلها؛ ليس تطوعا موسميا فحسب، بل علاقة ممتدة.. أن يزرع الطالب شجرة، ثم يعرف مكانها، ويعود إليها بعد بضعة أعوام.. تخيلوا شابا يقود سيارته يوما، فيشير لأبنائه إلى شجرة كبيرة، ويقول: هذه زرعتها، وأنا طالب! عندها لن تكون أمامنا شجرة فقط، بل ذاكرة تنمو.
المدن لا يحميها ارتفاع الغرامات وحدها، ولا كثرة عمال النظافة، ولا كاميرات الشوارع، يحميها أيضا ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان يرى العبث بالمكان اعتداء على شيء يخصه.
لهذا، قد تكون أجمل عبارة يتعلمها الطالب من هذه التجربة ليست: "حافظ على مدينتك"، بل أن ينظر حوله، ويقول: هذه مدينتي!
المدن لا تصبح لنا حين نسكنها، بل حين يسكن فيها شيء منا. وربما كانت الشجرة التي يغرسها طفل اليوم أكثر من كونها مجرد شجرة؛ إنها أول توقيع له على مدينته. وحين يشعر الإنسان أن له توقيعا في المكان، لن يحتاج أحد أن يوصيه بالمحافظة عليه.