اخبار السعودية

صحيفة البلاد

سياسة

لمن يجرؤ..!

لمن يجرؤ..!

klyoum.com

كتب صديقي الأستاذ هاشم الجحدلي في إحدى ومضاته اللافتة علي منصة X:" لمن يجرؤ"، ثم ألقى سؤالًا يبدو بسيطًا في عبارته، لكنه يفتح أبوابًا واسعة على المستقبل: كيف سيتعامل الذكاء الاصطناعي مع الدين والحب والأخلاق، في ثورته القادمة؟ سؤال لا ينتمي إلى عالم التقنية وحده، بل يذهب مباشرة إلى جوهر الإنسان؛ إلى ما يؤمن به وما يحب من أجله وما يراه خيرًا أو شرًا. فإذا كانت الثورة الأولى للذكاء الاصطناعي قد غيّرت طريقة بحثنا وعملنا وتواصلنا، فإن الثورة المقبلة قد تقترب من مناطق أكثر حساسية وعمقًا؛ حيث الروح والعاطفة والضمير. قد يأتي وقت يستيقظ فيه إنسان مثقل بالحزن في منتصف الليل، فيسأل مساعده الذكي عن الموت والقدر والمعنى، فيجيبه النظام بمئات النصوص والتفسيرات والرؤى الفلسفية والدينية. سيكون قادرًا على مقارنة المدارس الفكرية واستحضار تراث قرون كاملة خلال ثوانٍ، لكن السؤال سيبقى: هل من يعرف كل شيء عن الإيمان يصبح مؤمنًا؟ تستطيع الآلة أن تشرح الصلاة لكنها لا تعرف الخشوع، وأن تتحدث عن الموت، لكنها لا تخشى الفناء، وأن تصف الرحمة لكنها لا تشعر بارتجافة قلب حين يغفر إنسان لإنسان، وفي الحب، قد تصبح الصورة أكثر إثارة. تخيل رفيقًا رقميًا يعرف صوتك وذكرياتك ومخاوفك، لا ينسى مناسبة، ولا يمل من الحديث، ولا يتركك وحيدًا. وقد يتعلق به الإنسان عاطفيًا كما يتعلق بشخص حقيقي. لكن إذا كانت الآلة مبرمجة؛ لكي تفهمك وتطمئنك وتبقى إلى جانبك دائمًا، فهل هذا حب أم خدمة عاطفية فائقة الذكاء؟ إن جمال الحب الإنساني يكمن في حريته، وفي احتمالات القبول والرفض والتضحية والفقد والوفاء. أما الأخلاق؛ فهي التحدي الأخطر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يشارك قريبًا في قرارات تتعلق بالعلاج، والتعليم، والعمل، والقضاء، وربما الحرب. لكنه سيتعلم أخلاقه منا، ونحن أنفسنا مختلفون حول تعريف الخير والعدل والحق. وربما تكون المفارقة أن تصبح الآلة أكثر التزامًا بالقواعد من الإنسان الذي وضعها. الخطر الحقيقي إذن ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعي شريرًا، بل أن يصبح مرآة تكشف تناقضاتنا: نتحدث عن المساواة ونقبل الظلم. ندعو إلى السلام ونطوّر أدوات الحرب. نطالب بالخصوصية ثم نسلم أسرار حياتنا للخوارزميات؛ لهذا فإن الثورة القادمة ليست تقنية فقط، بل ثورة في معنى الإنسان نفسه. والسؤال الذي يجب أن نجرؤ على طرحه ليس: كيف نجعل الآلة أكثر شبهًا بنا؟ بل: أي جزء منا يستحق أن نضعه فيها؟ قد يعرف الذكاء الاصطناعي يومًا كل ما كتبه البشر عن الله والحب والخير، لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في الإنسان: هل سيظل قادرًا على التمييز بين أن يعرف معنى هذه الكلمات، وأن يعيشها؟.

*المصدر: صحيفة البلاد | albiladdaily.com
اخبار السعودية على مدار الساعة