اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الهدايا الرقمية كواجهة جديدة لغسل الأموال

الهدايا الرقمية كواجهة جديدة لغسل الأموال

klyoum.com

د. سعود المريشد

في الوقت الذي تشهد فيه بعض دول الخليج نقاشات شعبية، وربما تنظيمية مكثفة حول مخاطر اقتصاد الهدايا الرقمية، يبرز النموذج الأمريكي كمرجع غني يمكن الاستفادة منه لتقنين الدعم غير المنظم للمؤثرين عبر تطبيقات البث المباشر المشهورة؛ فقد أثارت بعض التقارير الرقابية الدولية تحذيرات من نمط يعرف بـ»الميكرو- غسل الأموال» عبر تجزئة الأموال إلى هدايا صغيرة، مما دفع لجدل حول مدى أمكانية إلزام هذه المنصات بمعايير «اعرف عميلك» وتصنيفها كـ «مقدمي خدمات الأصول الافتراضية»؛ هذا الحراك التنظيمي والرقابي، يسعى لتجفيف الوسائل التي قد تحول عفوية التفاعل الافتراضي إلى ثغرة أمنية، وضمان ألا يتحول دعم المحتوى بالهدايا الافتراضية إلى أداة لتمرير تدفقات مالية غير مشروعة تهدد متانة النظام المالي واستقراره.

فالنموذج الأمريكي يبرز كإطار مرجعي في التعامل مع نمط إجرامي يتجاوز الاحتيال التقليدي إلى بناء قنوات مالية موازية داخل المنصات الرقمية؛ فقد أظهرت بيانات «لجنة التجارة الفيدرالية» أن خسائر الاحتيال المبلغ عنها تجاوزت المليارات، مع نمو لافت في الخسائر المرتبطة بوسائل الدفع الرقمية والتحويلات غير التقليدية؛ هذا الرقم يعكس اتساع مساحة الأدوات الحديثة للجريمة الاقتصادية، وأهمها غسل الأموال، نتيجة زيادة سرعة التدفق المالي وقلت شفافية المصدر والوجهة؛ فالتحول الأهم في التجربة الأمريكية هو الانتقال من ملاحقة المستخدم الفرد إلى مساءلة المنصة الوسيطة نفسها؛ فالدعاوى القضائية الأخيرة، كتلك المرفوعة في ولاية (يوتاه) ضد تطبيق «تيك توك» (TikTok)، أشارت إلى مخاطر تحول الأصول الافتراضية إلى مسار لتسييل الأموال المشبوهة، عبر شراء أرصدة بوسائل مجهولة أو مسروقة، ثم تمريرها عبر حسابات المشاهير ذات المشاهدات العالية قبل سحبها نقداً؛ هذه العملية تفصل بين المصدر الأصلي ولحظة التسييل النهائية، مما يعقد مهمة التتبع الفني والقانوني ويخلق ما يعرف بـغسل الأموال الناعم المتستر خلف ظاهرة التفاعل الجماهيري.

ومع تزايد شعبية تطبيقات البث المباشر وانتشار ثقافة الهدايا الرقمية كوسيلة لدعم المؤثرين، تتحول هذه الأدوات التفاعلية تدريجياً إلى قنوات محتملة لتدفقات مالية غير خاضعة للرقابة، مما أثار إنذارات عالمية حول مخاطر استغلالها في عمليات لغسل الأموال؛ فحين تقدم الهدايا كتعبير عن الإعجاب الجماهيري، تكشف التحقيقات الرقابية عن آليات معقدة لشراء أرصدة افتراضية بوسائل مجهولة ثم تسييلها، مما يجعل من احتمالية هذه الظاهرة نموذجاً جديداً لـغسل الأموال الناعم؛ وأمام هذه الممارسات، تبرز ربما ضرورة استباقية لدول الخليج لتحصين أنظمتها المالية عبر إعادة تعريف هذه المنصات كـمقدمي «خدمات الأصول الافتراضية» وإلزامها بمعايير قوانين مكافحة غسل الأموال، وربط التراخيص الإعلامية للمؤثرين بآليات إفصاح مالي شفافة، والاستثمار في أدوات الذكاء الرقابي لرصد «الميكرو- غسل الأموال»؛ ولهذا نقول إن حماية نزاهة الأنظمة المالية في العصر الرقمي لم يعد رهناً بمراقبة المنافذ التقليدية فحسب، بل بات يفرض ضرورة آليات حديثة لمواكبة اقتصاد مختلط يتقاطع فيه صناعة المحتوى بالسيولة النقدية، ويتداخل فيه التواصل الاجتماعي بالتحويل المالي المشفر؛ هذا التقاطع يفرض على الجهات الرقابية إعادة النظر في مفهوم الوسيط المالي، إذ لم تعد تطبيقات البث المباشر مجرد منصات ترفيهية، بل تحولت إلى مراكز مقاصة رقمية تدير تدفقات مالية معقدة وعابرة للحدود بسرعة متناهية، مما يتطلب استجابة تشريعية ورقابية مرنة توازن بين تشجيع الابتكار الرقمي وبين سد الثغرات التي قد تتيح للأموال الملوثة الاختباء خلف واجهات التفاعل الجماهيري العفوي.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com