عطّار الدهر
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
التحالف يعلن اعتراض وتدمير طائرة مسيرة بالمنطقة الشرقيةرياض عبدالله الحريري
"الشتاء عطار يصلح الدهر"، بل ويحييه ويخرجه من غياهب العتمة وسواد الظلمة إلى نور القيمة، وها نحن على بابك أعيانا الانتظار، وبلغ بنا الحال، ولعل المآل هو صاحب الصنيع في ذلك كله
عَلَى بَابِ الشِّتَاءِ وَقَفْتُ عَلِّي
بِبَعْضِ مَنَالِهِ أُرْضِي مَنَالِي
وَأُحْيِي مَا أُمِيتَ بِطُولِ عَهْدٍ
وَمَا رَوَتِ السِّنُونُ مِنَ الْمُحَالِ
تَقَدَّمْ فَالْعَوَالِمُ فِي انْتِظَارٍ
وَكُنْ نِعْمَ الْإِجَابَةِ لِلسُّؤَالِ
للشتاء في أحوالنا أحوال، وله من تصاريف الوجدان ما يستعصي على غيره من المواسم، حتى ليُخيّل أن للدهر فيه سيرة أخرى، وطرائق مختلفة، وأسبالًا مغايرة، وما انقضى من أعمارنا يسترد شيئًا من سلطانه كلما أقبل، ويتقادم الحديث، ويُستحدث القديم، وتختلط مواقيت الشعور حتى يصبح الأمس أقرب إلينا من يومنا، ويغدو البعيد حاضرًا بما تركه في النفس من مقام، كل هذا في حق الشتاء، وربما لو أنصفتنا اللغة وأدركتنا البلاغة، لقيل فيه أكثر مما قيل، ونُظم عنه أجمل مما نُظم
في الشتاء تستطيل الليالي بما يكفي لأن يجلس المرء إلى نفسه جلسة مؤجلة، يراجع فيها ما أعطى وما أخذ، وما كان منه وما كان عليه، ويعيد النظر في أشياء حسبها يومًا من ضرورات الحياة، فإذا بها عند المحاكمة أقل شأنًا مما بذل في سبيلها، وأخرى مر بها عابرًا ثم أدرك بعد فواتها أنها كانت من أثمن ما مر به، ولعل هذا بعض ما تصنعه الأيام حين تؤخر عنا فهم الأشياء حتى تنقضي فرصتها، وليس طول الليل بقدر ما هو روحانية اختص بها ذلك الفصل، وقدسية يملكها دون غيره، فأصبح صديقًا للروح ومساحة حرة لها بما يحمله من معطيات، وأزعم أن للقلب نبضه الخاص في ذلك الوقت، ومنزلة في الحب لا تستقيم معها المقاييس، ففيه تتضاعف قيمة القرب، ويشتد سلطان الغياب، وتصبح المسافات على قصرها طويلة، وعلى طولها محتملة بما يبقيه الرجاء من أسباب الوصول، وأظن الشوق ليس ببعيد عن هذا كله، فالشتاء ساحته وأرضه ومنزله وموئله، وهذا بعض تفسير خصيصة الشتاء التي لا تنبغي لغيره ولا تحق في سواه
نعم، يزعجنا تقادم العهد وبُعد الشُّقّة بيننا وبينه، ويزعجنا أكثر ما نحمله في لياليه الأخيرة، وهذا ليس وقتًا لنقاشه، فاستقبال النعيم خير ما نستبشر به ونبثه في الأعماق، فنستسقي بسمة الانتظار ولحظة الوصول وإناخة الركب. فالكثير منا لا يعرف نفسه في الشتاء، ولا يفهم لغتها ويحسن صحبتها إلا في تلك الليالي الباردة والأسحار الماطرة، فيذوب الجليد بيننا وذواتنا، ويلوح السلام في الأفق، ويعم الفضاء تلك المسحة اللطيفة والتمتمة المقدسة..
ختامًا.. أهلًا بعطار الدهر مصلحًا ومرممًا ومعطيًا وقائمًا للروح بما يقيم أودها، ويصلح قابلها، وينتقم من الصيف وما أفسد، والقيظ وما أجهد.