اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

آفات التطرف

آفات التطرف

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

ضرر التطرف على حياة الفرد بالغ الخطورة؛ فمن خرج عن الاعتدال في أموره تضرّر ‏بلا شك، ويظهر ذلك جليًا في المعيشة والصحة، فالإنسان إذا قتّر على نفسه، وأهمل تعاطي ‏أسباب العيش لم تهنأ له حياة، ولو أسرف في اقتناء كل ما رأى وتعاطي كل ما أحب لم ‏يبقَ له درهم، ولم تستقر له صحة، وكان عرضةً للندم والحسرة، ومذمومًا شرعًا..

ليس للإنسان أن يسير في أمور معاده ومعاشه على هواه، وأن يغلو فيما شاء كيف ‏شاء، ولا أن يقصّر فيما أراد كيف يحلو له، بل هو مأمور بأن يدور في دائرة الاعتدال، وهي ‏واسعة بما فيه الكفاية لكل ما من شأنه تحصيل منافع الدين والدنيا، ودفع المفاسد الآجلة ‏والعاجلة، وليست دائرة الاعتدال ضيقةً عن ذلك كما يتوهمه من يتقاعس عنها بالتفريط، أو ‏من يمرق منها بالغلوّ، بل جميع المقامات والمستويات المحمودة من الأعمال والتصرفات ‏منحصرة ضمن هذه الدائرة، وما خرج عنها من أي طرف فهو مذموم، وصدق من قال:‏

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ولو استعرض الإنسان ما يحرّم ويستقبح شرعاً ونظاماً، وما يستهجنه العرف وتتجافى ‏عنه القيم النبيلة لوجد أن أساس قبحه وحظره خروجه عن الاعتدال، وأن الغرض من منعه ‏كبح جماح النفوس البشرية من الابتعاد عن الوسطية، وصرفها عن متاهات التطرف، ‏والابتعاد عن الاعتدال لا يخلو من كلفة ومشقّة لكن نفوس بعض الناس تقتحمه لما تجد فيه ‏من الاسترسال في الاعتداد بالنفس واستشعار التفرّد، وهو باب من أبواب الهوى يفتتن به ‏من ولجه من الناس، فيهوّن عليه ما يكابده المفرط أو المفرّط من متاعب وتبعات خروجه عن ‏الجادّة، ولي مع آفات التطرف وقفات:‏

الأولى: ضرر التطرف على الدين عظيم، فالإنسان متعبّد بالاتباع، منهيّ عن الابتداع، ‏فالغلوّ في الدين مذموم شرعاً؛ لمنافاته لقاعدة الشرع من وجوب الانقياد لما أمر الإنسان به ‏وفق الضوابط الشرعية والنظامية، ولما يتضمنه من الشذوذ ومخالفة ما يكون عليه جمهرة ‏المسلمين من أئمتهم وعامتهم، وقد نهى الله تعالى عنه وقرنه باتباع أهل الأهواء، فقال: (قل ‏يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا ‏كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل)، وآفة الغلو في الدين أن الغالي يتخيّل أن بوسعه أن يحصّل ‏بمساعيه التي ابتدعها مقاماً دينياً لا يحصل لمن انقاد لأوامر الله تعالى وكان مع الجماعة ‏وإمامها وتقيّد بما شرعه الله تعالى على الوجه الذي سنّه نبيّه صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن ‏كمال الدين مرهون باتباع السنة، وأن من قصّر عنها فهو مفرّط، ومن تخطاها فهو مفرط، ‏وما يتخيل بعد ذلك أنه زيادة فهو في الحقيقة نقصان وتعب فيما لا جدوى فيه، ولما فهم ‏النبي صلى الله عليه وسلم مخايل هذا الشعور عالجه فوراً وحسم عندهم مادته، فعن أنس بن ‏مالك رضي الله تعالى عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى ‏الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل ‏اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه. فقال: "ما بال أقوام قالوا ‏كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس ‏مني"، متفق عليه.‏

الثانية: ضرر التطرف على الأمن والمجتمع كبير، والمتطرف في أي شيء كان تطرّفه، فهو ‏يسعى ضد المجتمع وأمنه؛ وذلك لأسباب كثيرة: منها -في أقل الأحوال لكنه خطير- أنه ‏منشغل بما يضرّ ولا ينفع، وإذا فشت الظاهرة التي يمثلها أوجدت في المجتمع فئةً منشغلةً بما ‏لا جدوى منه، وهذا هدر للطاقة البشرية، ومنها أن المتطرّف إن كان تطرفه في الإفراط فهو ‏يرى الآخرين من جمهرة المجتمع مقصّرين متقاعسين فيما يجب، فيناصبهم العداء لأجل ‏ذلك، ويركب هواه فيحاكمهم بقناعاته، ويلصق بهم أنواع الألقاب السيئة والنعوت غير ‏اللائقة، وهذه بذرة خلاف تهدّد الأمن والسلم المجتمعي، ويسفّه آراء علية الناس، ولا يلتفت ‏إلى من أمر باتباعه من ولاة الأمر والعلماء الربّانيين المعتبرين؛ ولهذا نبتت بدعة الخوارج من ‏بذرة التطرف، وكان للناس إذ ذاك خليفة راشد من خيار الأمة، وكبار علماء الصحابة ‏متوافرون، لكن التطرف حدا بالخوارج إلى الجناية على أمن الأمة وتماسك المجتمع، فحصل ‏من الشر والفرقة ما هو معلوم مدوّن.

الثالثة: ضرر التطرف على حياة الفرد بالغ الخطورة؛ فمن خرج عن الاعتدال في أموره تضرّر ‏بلا شك، ويظهر ذلك جلياً في المعيشة والصحة، فالإنسان إذا قتّر على نفسه، وأهمل تعاطي ‏أسباب العيش لم تهنأ له حياة، ولو أسرف في اقتناء كل ما رأى وتعاطي كل ما أحب لم ‏يبق له درهم، ولم تستقر له صحة، وكان عرضةً للندم والحسرة، ومذموماً شرعاً كما قال ‏تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، ويقال مثل هذا في جميع شؤون ‏الحياة، فمن كان مفرطاً في التعاطي مع الناس ومداخلتهم عانى من صحبة من لا يستحق أن ‏يصحب، ومن انكمش وفرّط في معرفة الناس فاته معرفة أهل الفضل، ويقال مثله في المودّة ‏والبغض، فالمفْرط والمفرِّط فيهما يندم إذا تغيّر كل منهما، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله ‏عن حديث: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"، فقال: "لا تغلو في كل ‏شيء حتى الحب والبغض".‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com