دوامة الصمت خطر خفيّ في عصر المؤثرين
klyoum.com
م. هاني الغفيلي
تعود إلى الواجهة واحدة من أبرز النظريات الإعلامية التي تفسّر سلوك الجمهور في وقتنا الحالب، وهي نظرية "دوامة الصمت" التي طرحتها الباحثة الألمانية إليزابيث نويل نيومان، والتي تنص على أن الأفراد يميلون إلى الصمت وإخفاء آرائهم إذا شعروا بأنها تخالف الرأي المؤثر أو الأعلى صوتًا، خوفًا من العزلة الاجتماعية أو النقد، حتى وإن كانوا يمثلون في الحقيقة الأغلبية.
هذه المفارقة تجعل المجتمع أحيانًا يبدو وكأنه يتبنى رأيًا واحدًا، بينما الحقيقة أكثر تنوعًا، لكن الخوف من الرفض يدفع كثيرين إلى الانسحاب إلى دائرة الصمت، لتتشكل ما يُعرف بـ"الدوامة" التي تعزز الرأي الأقوى صوتًا وتخفي بقية الأصوات حتى وإن كانت هي الأكثرية!
في الماضي، كان الصحف والتلفزيون تلعب دورًا في تحديد ما يُعد رأيًا سائدًا، أما اليوم فقد تضاعف تأثيرها بشكل غير مسبوق مع انتشار الشبكات الاجتماعية، وأصبح "الرأي الأعلى صوتًا" لا يُقاس بالحضور الإعلامي فقط، بل بعدد المتابعين، وقوة التأثير، وسرعة الانتشار.
وتؤكد دراسات مركز "Pew Research Center" أن نحو 62 % من المستخدمين في بعض المجتمعات يترددون في التعبير عن آرائهم السياسية أو الاجتماعية عبر الإنترنت إذا شعروا أنها غير متوافقة مع الرأي السائد، وهو ما يعكس اتساع ظاهرة دوامة الصمت في البيئة الرقمية.
كما أظهرت دراسات أكاديمية في جامعة أكسفورد أن خوارزميات المنصات الاجتماعية تميل إلى تعزيز المحتوى الأكثر تفاعلًا، وليس بالضرورة الأكثر دقة أو توازنًا، ما يسهم في تضخيم أصوات معينة وإضعاف أخرى، وبالتالي تعميق هذه الدوامة.
تكمن خطورة دوامة الصمت في أنها لا تقتصر على تقييد حرية التعبير، بل تمتد إلى تشكيل وعي مجتمعي غير متوازن، حيث يُعتقد أن رأيًا معينًا هو الأغلبية، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة، هذا الخلل قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات فردية أو جماعية مبنية على تصورات غير دقيقة، ويمنح أصحاب الخطاب المرتفع أو حتى الغوغائيين فرصة للتأثير في الرأي العام دون وجود توازن حقيقي في الطرح.
وتشير تقارير الأمم المتحدة حول السلوك الرقمي إلى أن التنمر الإلكتروني يعد من أبرز أسباب إحجام الأفراد عن التعبير عن آرائهم، خاصة بين فئة الشباب، وهو ما يعزز من دوامة الصمت ويزيد من حدتها.
وهنا يبرز الدور المهم للإعلام المسؤول في كسر هذه الدوامة، من خلال تقديم محتوى متوازن يعكس تنوع الآراء، ويشجع على الحوار البناء بدلًا من تضخيم صوت واحد. فقد أظهرت دراسات معهد رويترز للصحافة أن وجود إعلام مهني وموثوق يسهم في تعزيز ثقة الجمهور ويشجع الأفراد على التعبير عن آرائهم دون خوف، مما يخلق بيئة صحية للنقاش العام.
وعلى الرغم من انتشارها عالمياً، إلا أن المجتمع السعودي، بطبيعته، يقوم على التلاحم والتقدير المتبادل، وهو ما يسهم في خلق بيئة أكثر توازنًا في التعبير، رغم التحديات التي تفرضها المنصات الرقمية، كما أن الجهود الرسمية في تنظيم الإعلام الرقمي ومكافحة الشائعات تعزز من حماية المجتمع من الانجراف وراء الأصوات غير المسؤولة.
ختامًا، مواجهة دوامة الصمت في العصر الرقمي تتطلب وعيًا جماعيًا بأهمية التعبير المسؤول، وعدم الانسياق وراء الصوت الأعلى دون تمحيص، فالتوازن في المجتمع لا يتحقق إلا بوجود تعددية في الآراء، واحترام للاختلاف، وبيئة تشجع على الحوار بدلًا من الإقصاء.