اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

التنمر الإلكتروني

التنمر الإلكتروني

klyoum.com

د. ملحة عبدالله

إن المجتمع العربي لا ينقصه المفكرون، بل ينقصه من يحمي المفكرين من الاغتيال المعنوي، فالتنمر الإلكتروني ليس مجرد "تعليق سلبي"؛ هو أداة لهدم ما تبقى من ثقة بيننا وبين نُخبنا.. فإذا ما استمررنا في التصفيق للسطحية والسخرية من العمق فسنسقط يومًا ولن نجد فكرة واحدة جادة تستحق النقاش..

لقد بات التنمر الإلكتروني وأزمة السطحية من أهم مشكلات المجتمع العربي.. في العقد الأخير، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة تواصل، بل تحول الى ساحة محاكمة يومية. وأخطر ما في الساحة ليس اختلاف الرأي، بل في طريقة إدارة الاختلاف. لقد أصبحنا أمام ظاهرة مركبة: تنمر إلكتروني ممنهج، سطحية في التعامل مع أفكار، ومحاولة واعية أو غير واعية لضرب ما تبقى من كاريزما عربية.

أولا: من النقد إلى التنمر: المجتمع الصحي ينتقد الفكرة، المجتمع المأزوم ينتقد صاحب الفكرة. وهو ما نراه اليوم في المنصات العربية وهو انتقال من نقد المضمون إلى اغتيال الشخص المفكر لا يُناقش في كتابه آو في طرحه، بل في لباسه، في لهجته، في حطأ لغوي عابر، في صورة قديمة له.. الهدف ليس تنفيذ الحجة، بل نزع الشرعية الأخلاقية عن قائلها ليصبح طرحه بلا قيمة.

أدوات التنمر أصبحت معروفة: السخرية الجماعية الـ"كوميكس" الاقتطاع المجتزأ من سياقه، حملات الإلغاء، وتحويل أي نقاش عميق إلى تريند ساخر يستهلك في 24 ساعة وينتهي بلا أي فائدة.

ثانيا: استساغة السطحية: فإذا سألنا أنفسنا: لماذا ينجح التنمر؟ لأنه يجد أرضا خصبة: ثقافة سطحية تكره العمق والتعمق.. بداية من ثقافة العنوان.. فلا أحد يقرأ الكتاب، الكل يقرأ عنوانه، لا أحد يشاهد محاضرة.. الكل يشاهد مقطع 30 ثانية منها ونحكم على مفكر من تغريدة، وعلى فيلسوف من ستوريز.. ومن هنا يأتي الاختزال المخل: أي فكرة مركبة يتم اختزالها إلى "هو معنا أو ضدنا؟"، الفكر الذي لا يمكن وضعه في قالب أيدلوجي جاهز يتم رفضه فورا!

ثم تأتي أهم المشكلات: تقديس البساطة الزائفة: فأصبح العمق تهمة، فمن يستخدم مصطلحا فلسفيا يتهم بالتفلسف، ومن يكتب مقالا طويلا يتهم بالملل، فالسوشيال ميديا كافأت المحتوى السريع، فعاقبنا المحتوى العميق!

ثالثا: استهداف الكاريزما: لماذا تستهدف الكاريزما العربية؟ الكاريزما هنا لا تعني الشهرة؛ تعني النموذج الملهم القادر على جمع الناس حول فكرة، أو قيمة، أو مشروع.. ولذا فهناك محاولة مستمرة بعضها عفوي ناتج عن الإحباط العام، وبعضها موجه، لضرب هذا النموذج!

عندما يظهر مفكر عربي جاد، تتم مقارنته فورا بنموذج غربي لتقزيمه: "لا يوجد عندنا مثل فلان الغربي".

عندما ينجح كاتب أو عالم عربي، يتم نبش ماضيه كله لإثبات أنه "ليس قدوة".

يتم تضخيم نماذج تافهة وسطحية وتقديمها كـ"قدوة" بديلة، ليصبح المعيار هو التفاهة وليس العمق، فيصبح المراهق العربي يرى أن الكاريزما هي عدد المتابعين، وليست القدرة على التأثير الحقيقي.

رابعا: إلي أين تذهب وما هي وجهتك؟ الخروج من هذه الأزمة لا يكون بحظر المنصات، بل بإعادة تأهيل طربقة استخدامنا لها كالآتي:

الفصل بين الفكرة وصاحبها: نتعلم أن نختلف مع الفكرة دون أن نكره صاحبها. نناقش الحجة، لا الشخص.

نقرأ قبل أن نحكم: فلا نحكم على كاتب من عنوانه، ولا على كتاب من عنوانه، ولا على محاضرة من مقطع مجتزأ، ونعطي أنفسنا فرصة 10 دقائق قراءة عميقة قبل أن نكتب تعليقا ساخرا.

نصنع مناعة رقمية: التنمر الإلكتروني يتغذى على تفاعلنا.. التجاهل، والحظر، وعدم إعادة نشر المحتوى المسيء هو أول خطوة لقتله.

دعم المحتوى العميق: الخوارزميات تعطينا ما نتفاعل معه.. كل لايك لمفكر جاد، وكل مشاركة لمقال عميق، وكل تعليق محترم، هو تصويت ضد السطحية.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة