اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

التعليم العقاري في المملكة

التعليم العقاري في المملكة

klyoum.com

محمد علي ناصر البر

يشهد القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية تحولاً تاريخياً مدفوعاً بمستهدفات رؤية 2030، ولا سيما برامج الإسكان ورفع نسبة التملك وتعزيز مساهمة القطاع في الناتج المحلي. هذا الزخم التشريعي والتمويلي والتنظيمي خلق سوقاً أكثر نضجاً وانفتاحاً، وأكثر تعقيداً في الوقت ذاته. وبينما تسارعت وتيرة التنظيم والتمويل وتوسعت المشاريع الكبرى، يبرز سؤال جوهري: هل يواكب “رأس المال البشري العقاري” هذا النمو النوعي؟ وهل يمتلك السوق السعودي منظومة تعليم أكاديمي متخصصة قادرة على تغذية القطاع بكفاءات مؤسسية مستدامة؟

لا يمكن إنكار أن المملكة قطعت شوطاً مهماً في مسار التأهيل المهني. فقد برز دور المعهد العقاري السعودي كذراع تدريبية وتنظيمية تسهم في رفع الامتثال المهني وتطوير المهارات التطبيقية، عبر آلاف البرامج التي استهدفت شرائح واسعة من الممارسين. هذا المسار أسهم في تحسين مستوى الممارسة، وضبط الأنشطة، ورفع وعي السوق بالمعايير والأنظمة. إلا أن التأهيل المهني – بطبيعته – يركز على “جاهزية الممارسة” أكثر من تركيزه على “التكوين العلمي العميق” طويل الأمد.

في المقابل، تكشف التجارب الدولية في الدول المتقدمة عن منظومات تعليم عقاري أكاديمي متكاملة، تتخذ شكل كليات أو أقسام متخصصة تجمع بين التعليم والبحث والتطبيق. ففي سنغافورة، يقدم قسم العقار في National University of Singapore برامج بكالوريوس ودراسات عليا تدمج بين التمويل العقاري، والاقتصاد الحضري، والتقييم، وإدارة الأصول، وسياسات الأراضي. وفي الولايات المتحدة، يقدّم برنامج تطوير العقار في Massachusetts Institute of Technology نموذجاً يجمع بين التحليل المالي المتقدم، واستوديوهات التطوير، ودراسة المخاطر، في إطار علمي صارم. أما في المملكة المتحدة، فتُعد برامج العقار في University of Reading مثالاً على الربط بين الدرجة الأكاديمية والاعتماد المهني عبر مواءمة المناهج مع معايير مهنية دولية.

القاسم المشترك في هذه النماذج ليس مجرد وجود “برنامج دراسي”، بل وجود منظومة متكاملة: منهج متسلسل يبدأ بالأساسيات الاقتصادية والمالية، يمر بالتخصصات الدقيقة (التقييم، التمويل، إدارة الأصول، التخطيط)، وينتهي بتدريب تعاوني إلزامي ومشاريع تطبيقية حقيقية، إضافة إلى مراكز بحث وبيانات تغذي صانع القرار والقطاع الخاص بتحليلات دورية ونماذج تنبؤية.

عند إسقاط هذه المعايير على السوق السعودي، تظهر فجوة ليست في حجم السوق أو ديناميكيته، بل في “تأسيس التعليم العقاري” على نطاق وطني واسع. صحيح أن بعض الجامعات السعودية بدأت تقديم برامج متخصصة في التطوير العقاري، إلا أن المملكة لا تمتلك بعد كلية علوم عقارية متكاملة تمثل مركز ثقل أكاديمي وبحثي يغطي جميع تخصصات القطاع بصورة شمولية.

هذه الفجوة تنعكس على عدة مستويات. أولاً، في تفاوت جودة دراسات الجدوى والتسعير؛ إذ تعتمد كثير من الافتراضات على خبرات فردية أو نماذج غير موحدة، ما يؤدي إلى اختلافات كبيرة في تقدير المخاطر والعوائد. ثانياً، في إدارة الأصول والمحافظ العقارية المؤسسية، حيث يتطلب التحول نحو الاستثمار المؤسسي أدوات قياس أداء متقدمة واستراتيجيات تخارج وإدارة مخاطر تُدرّس عادة ضمن برامج أكاديمية متخصصة. ثالثاً، في مجال البيانات والتحليلات العقارية، حيث تتزايد أهمية النمذجة والذكاء الاصطناعي وPropTech، بينما لا تزال المهارات التحليلية العميقة محدودة الانتشار مقارنة بحجم الطموح الرقمي.

كما أن غياب مركز أكاديمي عقاري قوي يحدّ من إنتاج المعرفة المحلية حول السوق السعودي نفسه. فالسياسات الإسكانية، وتنظيمات الأراضي، ورسوم التطوير، وآليات التمويل تحتاج إلى دراسات كمية ونوعية تقيس أثرها على العرض والطلب والأسعار وسلوك المستثمرين. دون منظومة بحثية متخصصة، يبقى جزء من تحليل الأثر معتمداً على تقارير سوقية تجارية أكثر من اعتماده على أبحاث أكاديمية مستقلة.

الحل المقترح لا يتمثل في استبدال التأهيل المهني، بل في استكماله. فالمعادلة المثلى تقوم على تأسيس “كلية علوم عقارية” داخل جامعة سعودية كبرى، تضم برامج بكالوريوس وماجستير بمسارات واضحة: التقييم، التمويل والاستثمار العقاري، التطوير والجدوى، إدارة الأصول، البيانات العقارية، وسياسات الإسكان. إلى جانب ذلك، ينبغي إنشاء مركز بيانات وبحوث عقارية يصدر تقارير دورية، ويطوّر مؤشرات سوقية معيارية، ويعمل بالتكامل مع الجهات التنظيمية.

في هذا النموذج، يظل المعهد العقاري السعودي مسؤولاً عن الرخص والتطوير المهني المستمر، بينما تتولى الكلية مهمة التكوين العلمي العميق وإنتاج المعرفة. هذا التكامل يخلق مساراً مهنياً واضحاً: تعليم أكاديمي يؤسس الفهم والتحليل، وتأهيل مهني يضبط الممارسة ويحدّثها.

الفائدة المتوقعة للسوق السعودي متعددة الأبعاد. فمن جهة، سترتفع جودة القرارات الاستثمارية نتيجة تحسن منهجيات التحليل وإدارة المخاطر. ومن جهة أخرى، سيعزز ذلك جاذبية السوق للمستثمرين المحليين والدوليين بفضل وجود كوادر مؤسسية مدرّبة وفق معايير علمية واضحة. كما سيسهم في تقليل التباين في الممارسات، ورفع مستوى الشفافية، وتحسين مواءمة السياسات مع الواقع السوقي.

في ظل التحول الاقتصادي الكبير الذي تعيشه المملكة، لم يعد العقار مجرد نشاط تجاري تقليدي، بل أصبح صناعة مؤسسية متشابكة مع التمويل والتقنية والتخطيط الحضري والسياسات العامة. ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم العقاري الأكاديمي ليس ترفاً معرفياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة النمو، ورفع كفاءة السوق، وتحقيق مستهدفات الرؤية برأس مال بشري يوازي طموح التحول الوطني.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة