اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

سلام هي حتى مطلع الفجر

سلام هي حتى مطلع الفجر

klyoum.com

أ. د. فهد بن مطلق العتيبي

في ليلة السابع والعشرين من رمضان، والشرق الأوسط تشهد الحرب الأميركية الإيرانية، ومحاولات الأخيرة إقحام دول الخليج في هذه الحرب، كنت أتأمل طمأنينة المصلين في هذه الليلة المباركة في هذه الدولة المباركة، فلم يشعر المصلون بهذه الحرب ولا آثارها، لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً ما مجرد دولة في خارطة العالم، بل هي امتداد تاريخي وروحي لفكرة السلام منذ أقدم العصور، فمنذ أن وطئت قدما آدم وحواء الأرض، ارتبطت هذه البقعة المباركة بمعاني الطمأنينة والبداية الإنسانية الأولى، وعلى أرضها رُفعت قواعد الكعبة المشرفة على يد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، لتكون أول بيت وُضع للناس، ومهوى أفئدة المؤمنين، ورمزًا خالدًا للوحدة والسلام. وفي عمق التاريخ، احتضنت أرض المملكة شعوب الشرق الأدنى القديم، فكانت معبرًا للحضارات قبل أن تتشكل دولها الكبرى في وادي الرافدين والشام ووادي النيل، ومن هذه الأرض خرجت اللغة العربية، حاملةً معها نسقًا ثقافيًا وإنسانيًا فريدًا، قبل أن تتوج بظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، حيث انطلقت رسالة السلام الخالدة من مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتخاطب العالم بقيم العدل والرحمة والتعايش. ومع قيام الدولة السعودية بمراحلها الثلاث (1744م، 1824م، 1932م)، تجدد هذا الدور التاريخي، لكن في قالب سياسي حديث يوازن بين الأصالة والمعاصرة، فقد قامت المملكة على أساس توحيد الأرض تحت راية الأمن والاستقرار، فغدت واحة سلام في محيط إقليمي كثير الاضطراب، ولم يكن هذا السلام حالة سكون، بل مشروعًا ممتدًا يقوم على حماية الإنسان، وصون الكرامة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وقد شهد التاريخ الحديث العديد من محطات الاختبار الحقيقية لهذا الدور، ففي عام 1990م، على سبيل المثال، عندما أقدم النظام العراقي الغاشم على غزو دولة الكويت، وقفت المملكة موقفًا حاسمًا، رافضةً منطق القوة واغتصاب الأراضي في دفاع عن مبدأ دولي وأخلاقي يتمثل في سيادة الدول واحترام وحدة أراضيها، وبالفعل، في عام 1991م، تحررت الكويت وعادت لأهلها، في انتصار يُحسب للعدالة السعودية قبل أن يُحسب للسياسة.

واليوم، تتكرر التحديات بصور مختلفة، حيث تواجه المنطقة تهديدات متصاعدة، من بينها التطرف الصهيوني والسياسات العدوانية الإيرانية وتدخلاتها في عدد من الدول العربية، تلك التدخلات التي قادت إلى قصف دول الخليج بالصواريخ. وهنا تقف المملكة موقفها المعروف بالثبات والحزم، مدافعةً عن أمن الخليج واستقرار العالم العربي، ورافضةً كل أشكال الفوضى والعبث بمصائر الشعوب.

إن التجربة التاريخية تؤكد أن المملكة دائماً تقف مع الحق، وحين تقف فإنها تقف مع مسار التاريخ ذاته، إن دعوة إبراهيم عليه السلام لهذه الأرض: "رب اجعل هذا بلدًا آمنًا"، لم تكن مجرد دعاء عابر، بل قدرًا متجددًا يتجلى في هذه الأرض عبر العصور، فكلما حاولت قوى الاضطراب النيل من هذا الدور، تجددت في المملكة عناصر القوة والاستقرار، وكأنها تستمد مشروعها من جذور أعمق من الحسابات السياسية الآنية، وهنا تبرز المقارنة جلية: فبين دول قامت على الصراع والتوسع، وأخرى تشكلت عبر الانقلابات والانقسامات، ظلت المملكة العربية السعودية نموذجًا لدولة بُنيت على التوحيد لا التفريق، وعلى الاستقرار لا الفوضى، وعلى صناعة السلام ونشره لا على الحروب والإرهاب والتطرف.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة