اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الاحترام

الاحترام

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

الإنسان هو المستفيد الأول من كونه محترماً للمحترمات، واقفاً عند حدود ‏الشرع والنظام والعرف، فكلما التزم بالممكن من هذا احتاط لنفسه، أما حدود الشرع ففي ‏احترامها والاحتياط لها سلامة الدين والعرض، وأما حرمات الناس فمن ‏احترمها لم يجعل لهم على نفسه سبيلًا، وتمحضت مظلوميته إن تعرضوا له، ومن انتهك ‏حرمات الناس فقد جعل على نفسه سبيلًا، وهو معرض لأن يُنتصف منه بألسنتهم، وبواسطة ‏القضاء..

الإنسان مطالب أن يعرف الحدود التي يليق به أن يقف عندها، ولا يحسن به أن ‏يتخطاها، وهذا الأدب من أوائل ما يلزم الوالدين تنشئة الذرية عليه، حتى إن الناس متعودون ‏على تقدير مربي المتأدبين بهذه الآداب، وقد يغمز بعض الناس مربي المخلين بالآداب، فإذا ‏بلغ الإنسان وصار مسؤولاً عن نفسه خوطب شخصياً بمراعاة هذه الحدود، وهي متنوعة ‏ومتفاوتة، فمنها الواجب اللازم شرعاً أو عرفاً أو نظاماً، ومنها المستحب الذي لا ينبغي ‏لأهل المروءة الزهد فيه وإن لم يوصف بالوجوب، والوقوف عند الحدود المرسومة يكون بأن ‏يحترم الإنسان كل محترمٍ شرعاً وعرفاً ونظاماً، فلا ينتهك حرمةً شخصيةً أو معنوية، وبقدر ‏شيوع هذه الخصلة في المجتمعات يسودها الأمن والطمأنينة، وتتوفر لها الحياة الكريمة؛ ولهذا ‏نرى في التاريخ وفي الحاضر ارتباط الاستقرار والازدهار بسيادة الاحترام، ومعرفة كل إنسانٍ ما ‏له وما عليه، فبذل الاحترام للأشخاص والمقدسات سمة أساسية للسلوك البشري المعتدل ‏القائم على قواعد الشرع والنظام والقيم النبيلة، وبالمقابل إذا تخلى الناس عن احترام الحرمات ‏سادت الفوضى، وعمّ الهرج والمرج، ولم يبت أي فردٍ منهم آمناً على ما يهمه، وفي مقدمة ‏ذلك حفظ الضروريات الكبرى، وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فليس سلوك ‏الاحترام ترفاً أخلاقياً متروكاً ليظهره بعض النبلاء، بل من الضروري أن يتحراه الجميع، ولي ‏مع الاحترام وقفات:‏

الأولى: الإنسان هو المستفيد الأول من كونه محترماً للمحترمات، واقفاً عند حدود ‏الشرع والنظام والعرف، فكلما التزم بالممكن من هذا احتاط لنفسه، أما حدود الشرع ففي ‏احترامها والاحتياط لها سلامة الدين والعرض، كما يدل عليه حديث النعمان بن بشيرٍ ‏رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلال بين، ‏والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه ‏وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراعٍ يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ‏ملكٍ حمًى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه.."، أخرجه مسلم.. وأما حرمات الناس فمن ‏احترمها لم يجعل لهم على نفسه سبيلاً، وتمحضت مظلوميته إن تعرضوا له، ومن انتهك ‏حرمات الناس فقد جعل على نفسه سبيلاً، وهو معرض لأن يُنتصف منه بألسنتهم، وبواسطة ‏القضاء، فعن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم: "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"، أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني.. ومعنى ليّ الواجد: مطل الغني، وإذا لم يحترم ‏الإنسان الآخرين، وتطاول عليهم بلسانه، ثم ردوا عليه كان ملوماً على ما يترتب على سلوكه، ‏فلو سبهم وسبوه بالمثل لكان عليه مسؤولية ذلك، فكأنه سب نفسه، فعن عبدالله بن عمرو، ‏رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن ‏الرجل والديه" قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا ‏الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه"، أخرجه البخاري.‏

الثانية: المعظمات الشرعية من أشخاص وأماكن يجب احترامها، ومراعاة ما قرره الشرع في ‏ذلك، ولكلٍ منها أنماط الاحترام المطلوب، أما الأشخاص ففي مقدمتهم نبينا صلى الله عليه ‏وسلم، ومراعاة حرمته العظيمة تتجلى في تصديقه ومحبته وتعظيمه واتباع سنته، وغير ذلك مما ‏هو مسطور في محله، ومراعاة حرمة آله وأزواجه وصحابته، وكذلك للعلماء الربانين حق ‏الاحترام؛ لأنهم ورثة الأنبياء عليهم السلام، ومن الأشخاص الواجب احترامهم الوالدان، فقد قرن الله تعالى ‏الأمر بشكره بالأمر بشكرهما، فقال: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ ‏وفصاله في عامين ‌أن ‌اشكر ‌لي ولوالديك إليّ المصير"، والأماكن المعظمة شرعاً المساجد التي ‏هي بيوت الله، فعلى الإنسان تنزيهها عن كل ما لا يليق بعظمتها، من سلوك لا يليق ودنسٍ ‏حسي، وللحرمين الشريفين خصوصية في ذلك؛ لكون المكان حرماً، يحظر فيه بعض ما ‏يباح في غيره مما هو معلوم، وفي هذا تنويه بمكانته.‏

الثالثة: من الأشخاص المعظمين شرعاً ولي الأمر، واحترامه عبادة يستحق فاعلها ثواباً جزيلاً عند ‏الله تعالى، فعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ‏أجلّ سلطان الله أجلّه الله يوم القيامة"، أخرجه الطبراني، وحسنه الألباني، ومن أخل بها ‏عوقب بالهوان جزاءً وفاقاً، فقد أخرج الترمذي عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله"، ‏صححه الألباني.. وهذه الشعيرة من الفوارق الواضحة بين أهل السنة والمبتدعة، ففي أصول ‏أهل السنة والجماعة بذل السمع والطاعة للسلطان ومراعاة حرمته وإجلاله، وأهل الأهواء ‏والبدع بعضهم لا يلتفت إلى هذا الأصل، وبعضهم يحاول الالتفاف عليه بتنظيمٍ موازٍ يبذل ‏له من الولاء والتبعية ما هو حق للسلطان، فيكون مخلاً بواجب السمع والطاعة.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة