اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

عقارات الدولة في معادلة القرار

عقارات الدولة في معادلة القرار

klyoum.com

د. هاني بن محمد أبوراس

تتشكل تحولات الاقتصادات بالطريقة التي تُقرأ بها مقدراتها، قبل الطريقة التي تُدار بها. فالقيمة لا تنشأ من وجود الأصول في ذاتها، بل من إدراك ما تختزنه من إمكانات، ومن القدرة على إعادة توجيهها بما يتجاوز استخدامها القائم، وفي هذا الإطار، تمثل عقارات الدولة أحد المكونات الرئيسة للثروة الوطنية، لكنها تبقى في كثير من الأحيان خارج نطاق التقدير المستمر، رغم ما تنطوي عليه من فرص لا تعكسها صورتها الحالية.

ويرجع ذلك، في جانب منه، إلى أن العقار يُتعامل معه ضمن حدود وظيفته الراهنة، وكأن تخصيصه في لحظة ما يحسم مساره نهائياً. ومع مرور الوقت، يترسخ هذا الفهم حتى يصبح جزءاً من واقع لا يُسأل عن كفاءته، ولا يُعاد النظر في موقعه ضمن منظومة القرار. غير أن هذا الاستقرار يخفي فجوة يصعب رصدها بالمؤشرات التقليدية، تظهر عند مقارنة ما يُنتجه العقار اليوم بما يمكن أن يُنتجه لو أُعيد توجيهه. وهي فجوة لا تظهر في التقارير، لكنها تتراكم في صورة فرص مؤجلة وقيمة غير مستغلة.

وتنعكس هذه الفجوة في مشهد يتكرر في أكثر من سياق. مبنى حكومي في موقع تجاري حيوي لا يُستغل منه سوى جزء محدود، بينما تبقى مساحات واسعة دون استخدام يتناسب مع قيمتها، في حين تستأجر جهة أخرى مقرات بتكلفة مرتفعة. ولا يقتصر أثر ذلك على حالات فردية، إذ يتحمل الإنفاق العام كلفة استئجار متكررة لمقار حكومية، في وقت يبقى فيه جزء من المخزون العقاري القائم دون استخدام يوازي قيمته. ولا تعكس هذه الصورة تقصيراً، بقدر ما تكشف غياب آلية مؤسسية تُدخل القيمة الكامنة للعقار في معادلة القرار. وتتكرر الصورة في أراضٍ تغيّرت البيئة المحيطة بها، أو في عقارات تبدّل سياقها العمراني والاقتصادي بينما بقي استخدامها على حاله.

غير أن التحول الحقيقي يبدأ حين يُدرج مفهوم تكلفة الفرصة البديلة ضمن معادلة القرار. فالعقار المخصص لجهة حكومية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مساحة متاحة بلا مقابل، بل كأصل يحمل قيمة اقتصادية يمكن قياسها، ويترتب على شغله كلفة غير مباشرة تتمثل فيما كان يمكن أن يحققه لو وُجّه استخدامه على نحو مختلف. وعندما تنعكس هذه الكلفة، ولو بصورة تقديرية، في ميزانيات الجهات ومؤشرات أدائها، يتغير السلوك، إما برفع كفاءة الاستخدام، أو بإعادة النظر في الحاجة، أو بإتاحة الأصل لجهة أخرى قادرة على توظيفه بكفاءة أعلى.

على أن ظهور الكُلفة لا يكفي وحده ما لم يقترن بمقابل. فالجهة التي تتخلى عن أصل فائض تتحمل أعباء الانتقال، وتتخلى عن منفعة قائمة، دون أن يعود عليها ما يوازي ذلك، وهو ما يجعل الإفصاح عن الفائض قراراً غير مجزٍ. ومن ثم لا يكتمل أثر هذا التحول ما لم يُعد جزء من الوفر المتحقق إلى الجهة المتخلية، فتتحول الكفاءة من التزام تُحاسب عليه إلى خيار يحقق لها مردوداً مباشراً.

على أن ذلك لا يكتمل إذا أُخضعت جميع الأصول لمنطق واحد في التقييم. فالعقار العام ليس كتلة واحدة، بل يتوزع بين ثلاثة أنماط تختلف في طبيعة القيمة التي تحملها. فهناك عقارات تُقرأ بمنطق السوق والكفاءة الاقتصادية، وتقاس بمؤشرات العائد والتكلفة. وهناك عقارات مرتبطة بوظائف نظامية أو خدمية، تُقاس بمعايير القيمة العامة لا الربحية. وثالثة تؤدي دوراً تمكينياً أو تنموياً، لا تحقق عائداً مباشراً اليوم، لكنها تشكل ركيزة لخيارات استراتيجية بعيدة المدى.

ولا يمثل هذا التمييز تفصيلاً فنياً، بل شرطاً لازماً لأي قراءة متماسكة. فبدونه، قد تُدفع أصول ذات أهمية استراتيجية نحو قرارات لا تستوعب طبيعة الأصل، أو تُصنف أصول خدمية بوصفها غير كفؤة لمجرد أنها لا تولد إيراداً مالياً. ومن ثم، لا يكون التصنيف توحيداً للمعايير، بل إطاراً يعترف بتعددها، ويتيح قراءة كل أصل وفق طبيعته، دون أن يفقده موقعه ضمن الصورة الكلية. على أن الإقرار بتعدد المعايير لا يعني إعفاء أي نمط من المراجعة. فالنمط التمكيني، بحكم ارتباطه بأفق بعيد، هو الأكثر قابلية لأن يتحول من تصنيف إلى مبرر لاستمرار الاحتفاظ بالأصل، ما لم يقترن بمراجعة دورية يقع فيها عبء إثبات استمرار الجدوى على الجهة المحتفظة بالأصل، لا على الجهة المراجعة.

وفي القطاع المالي، لا يمكن إصدار صك أو سند دون أن يحمل تصنيفاً ائتمانياً يوضح مستوى المخاطر والعوائد. وهذا التصنيف لا يصف الواقع فحسب، بل يوجه القرار ويعيد تشكيل السلوك المالي. والمنطق ذاته يمكن أن يمتد إلى عقارات الدولة، من خلال إطار يقرأ كل أصل في سياقه الاقتصادي والمكاني والتنموي، ويُظهر قيمته الفعلية والكامنة، ويقود إلى مسارات أوضح في التعامل معه.

وعند هذه المرحلة، يتركز الاختصاص القائم في تنظيم عقارات الدولة على جانب العرض، المتمثل في الحصر، والحماية، والتصرف، والاستثمار. غير أن الخلل الذي يتناوله هذا الطرح لا ينشأ في هذا الجانب، بل في الجانب المقابل له، حيث تشغل الجهة الحكومية أصلاً لا تنعكس كُلفة شغله في قرارها. ومن ثم، فإن ما يُدعى إليه ليس استحداث اختصاص، بل استكمال اختصاص قائم بإشارة تمتد إلى ميزانية الجهة الشاغلة، ينتقل بها الدور من الاستجابة للطلب وتوزيع الأصول إلى قراءة مستمرة للمشهد العقاري، وقيادة قرارات التخصيص وإعادة التخصيص على أساس الكفاءة والقيمة، لا على أساس الطلب وحده.

حينئذٍ، لا تبقى القيمة محصورة فيما يُنتجه العقار اليوم، بل تمتد إلى ما يمكن أن يسهم به إذا أُعيد توجيهه. فلا يعود السؤال مقتصراً على ما تملكه الدولة من عقارات، بل على الكيفية التي تُقرأ بها وتُعاد بها إلى معادلة القرار بما يعكس إمكاناتها، لا واقعها وحده. ومع هذا التحول، لا يبقى العقار عنصراً صامتاً في المشهد الاقتصادي، بل يصبح أحد محدداته، وجزءاً من قراءة أوسع تُبنى عليها قرارات تعيد تشكيل توزيع القيمة وتوجيه مساراتها.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بإدارة عقارات الدولة بقدر ما يتعلق بتوظيفها ضمن رؤية أوسع للقيمة. فالتحول الحقيقي لا يقاس بعدد الأصول أو حجمها، بل بقدرة المنظومة على تحويلها إلى عنصر فاعل في صناعة القرار. وذلك هو الفارق بين إدارة الأصول وإدارة الثروة، وبين دولة تكتفي بإدارة ما تملك، وأخرى تجعل مما تملك مصدراً متجدداً للقيمة، لأن الثروة لا تتحدد بما يُملَك، بل بالطريقة التي تتحول بها الأصول إلى جزء من معادلة القرار.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة