اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الكتابة والذكاء الاصطناعي

الكتابة والذكاء الاصطناعي

klyoum.com

د. ملحة عبدالله

الكتابة المسرحية من أعقد الأمور وأكثرها دقة وحرفية، ومع ذلك فلا تكتمل ولا تتحقق الدهشة والمتعة إلا بإثارة العاطفة وتوهج الوجدان، ذلك الأمر المعدي بين المرسل والمتلقي، ومهما أدخلنا من عناصر ومن محاور ومطالب وأفكار لهذه الآلة فلن تتمكن من التسرب الوجداني مهما بلغت دقتها..

في الآونة الأخير يحدث ذلك الجدل الواسع حول مصير الكتابة الدرامية وخاصة المسرح في ضوء تطور الذكاء الاصطناعي والتقنية الإلكترونية بجميع تطبيقاتها! وهو ما يعد تهديدا واضحا للمبدع الحقيقي في تعاطيه الكتابة والتأليف والإبداع والإلهام، وما إلى ذلك من الموهبة الفطرية والعلوم المكتسبة في هذا المضمار.

وعلى علماء الكتابة المسرحية أن يتأملوا حالهم لحظة الإبداع، وألا يبخلوا بعلمهم في فلسفة كتابة النص والغوص في دهاليزه، ويتحدثوا عن هذا الهلع الذي يصيب الكتاب غير الراسخين في علوم وفلسفة الإبداع بل ويكشفون الزائف التقني من الإلهام والمعايشة؛ فالكتابة ميراث بشري لا يمكن تزييفه وإحالته للآلة! لكي يتضح ذلك النص المصنوع عبر التقنية، عن نص كتب بالذكاء الاصطناعي، ليظهر لنا ذلك الخلل الواضح بينهما.

فالنص المسرحي يعتمد على العاطفة والوجدان كما بيناه في نظرية البعد الخامس في التلقي والمسرح، وقد لا يتسع المقال لشرح دور الوجدان في الكتابة لكي يتم سحر المتلقي، وهو ما أطلقنا عليه (السحر المشروع)، والذي يختلف من كاتب لآخر، فالكاتب المتمكن من أدواته الوجدانية وصياغة المشاعر، هو ذلك الذي يغوص في الأعماق النفسية للشخصية. ونعتقد أنه لا يمكن للذكاء الاصطناعي القدرة على صياغة الوجدان، وقد تمت محاولات عديدة وتم قياسها إلا أنها باءت بالفشل لعدم وجود تلك العاطفة لدى التقنية، والتي يتم الآن العديد من المحاولات لإدخال العاطفة للروبوت ولـ(GPT)، إلا أن هناك الكثير من المحاولات في هذا الشأن حول إدخال المشاعر للذكاء الاصطناعي برغم الرافضين والمعارضين له.

فمن هذه الناحية هناك دراسة باللغة الإنجليزية تقول "كتابة النص بواسطة الـ ATGPT من بين جميع الأبحاث التي أُجريت حول الذكاء الاصطناعي والمسرح، كان استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لكتابة المسرحيات، النتيجة الأكثر شيوعًا على غوغل. يعرف صُنّاع المسرح الصيغة الفريدة التي يستخدمها كُتّاب المسرحيات لكتابة المسرحيات والمسرحيات الغنائية. إنّ فنّ كتابة المسرحيات فنٌّ دقيق، ويصعب تعلّمه، والأهمّ من ذلك، يصعب تنفيذه بإتقان".

إن فن الكتابة المسرحية يعتمد على عصب دقيق وهو الإحساس والمشاعر، وقد ذكرنا في نظريتنا البعد الخامس أهمية ما يسمى بالتسرب الانفعالي والانزلاق الوجداني في فن الكتابة المسرحية، وهذا بطبيعة الحال لا يتوفر لدى الـ GPT وهو معلوم لدى الباحثين والمتخصصين الذين أقروا ذلك في هذه الدراسات.

قد يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة نص مسرحي جيد ولكنه يخلو من المشاعر، إذ إن الشخوص به بلا إحساس أو عمق نفسي على غرار مدرسة المسرحية محكمة الصنع والتي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر (Well-made play) وهي نوع درامي يتميز بحبكة معقدة ومتسلسلة منطقيا، ولكنها بلا عمق في الشخصيات أو الأفكار الفلسفية ورائد هذه المدرسة هو الفرنسي يوجين سكرايب. فشلت هذه المدرسة بالرغم من حبكتها ومنطقية تسلسل أحداثها، وهذا الفشل يرجع إلى عدم الغوص في مشاعر الشخصيات، وهذا ما لا يمكن لـ GPT إدراكه.

ولنتأمل خصائص هذه المدرسة وكيف أنه لم يكتب لها النجاح بالرغم من عناصرها التي تتميز بـأن "حبكتها محكمة ومتسلسلة تعتمد على سلسلة من الأحداث المنطقية والمواقف الدرامية المصممة بعناية.. 2) عقدة وتشويق، تبدأ بموقف غامض وتتصاعد الأحداث نحو الذروة.. 3) التركيز على الحبكة لا على الشخصيات، فيكون الصراع الخارجي والأحداث أهم من التطوير العميق لنفسيات الشخصيات (وهذا السبب الأهم في وقوعها) أي بلا شعور وبلا إحساس أو مشاعر أو عاطفة.. 4) عناصرها متكررة".

وهو ما يمكن أن يتطابق مع الكتابة التقنية عبر الـ GPT، إذ ربما يؤول مصيرها إلى مصير المسرحية محكمة الصنع. ولذلك تقول الدراسة المشار إليها آنفا إن "(GPT-2) ومن خلال سلسلة من التجارب، ليصبح قادراً في نهاية المطاف على كتابة مسرحية. ورغم أن تقريرا عاما لم يقدم تحديثات إضافية حول عملهم، إلا أنه ذكر أن العرض الأول لمسرحية الفريق المكتوبة بالذكاء الاصطناعي كان مقرراً، كان من المقرر عرض المسرحية ولكنه رفض".

إننا نحلل ونرصد بمقاييس نقدية وبحسب علم الجمال الفلسفي ومن خلال تجربتنا الذاتية أيضا، حيث إن الكاتب يضع إحساسه هو وعواطفه داخل البنية الدرامية، إذ إن الإحساس معدٍ بلا شك، إذ ينتقل هذا الإحساس وهذه العاطفة الجياشة والوجدان المتسرب إلى المتلقي طواعية وبدون عناء، ولذلك نقول إن الكتابة المسرحية من خلال الـ GPT لن يكتب لها النجاح مهما بلغت صنعتها! والتاريخ سيدون ذلك كما دون لمسرحيات الولميد بلي أو المسرحيات محكمة الصنع والذي نظل نتدارسها في الأكاديميات حول أسباب نجاحها من عدمه.. وسيظل الأمر كذلك وبهذه الصورة حتى يمكن إدخال المشاعر للذكاء الاصطناعي حينها يمكن أن يتغير الأمر نظرا لوجود الوجدان والعاطفة التي هي عصب الإبداع المسرحي.. حيث تجري الآن محاولات لإيجاد ذلك، ولذا يقول (آلان كوين) وهو العالم السابق في غوغل الذي له خلفية في مجال علم النفس، أنشأ شركة أبحاث تسمى "هيوم إيه آي" (Hume AI) "إنها يمكن أن تساعد في جعل الأعمال الفوضوية للذكاء الاصطناعي أكثر تعاطفا وإنسانية" ثم. يقول "إنه من خلال التدريب على مئات الآلاف من تعبيرات الوجه والصوت من جميع أنحاء العالم، يمكن للذكاء الاصطناعي على منصة هيوم أن يتفاعل مع شعور المستخدمين حقًا ويلبي احتياجاتهم العاطفية بشكل وثيق".

إن الكتابة المسرحية من أعقد الأمور وأكثرها دقة وحرفية، ومع ذلك فلا تكتمل ولا تتحقق الدهشة والمتعة إلا بإثارة العاطفة وتوهج الوجدان، ذلك الأمر المعدي بين المرسل والمتلقي، ومهما أدخلنا من عناصر ومن محاور ومطالب وأفكار لهذه الآلة فلن تتمكن من التسرب الوجداني مهما بلغت دقتها.. ولذا سوف يكون مستخدم الـ GPT في الكتابة المسرحية واضحا للعيان وباهتا ومكشوفا أمره لدى النقاد والدارسين مهما بالغ في التخفي!

آخر المستجدات حول تجارب الذكاء الاصطناعي الفنية لصناع المسرح في براغ.. ويشير المقال إلى نجاح مجموعة من الباحثين في جعل الذكاء الاصطناعي يكتب مسرحية. مع ذلك، يكمن التحدي الحالي الذي لم يحلّوه بعد في جعل الذكاء الاصطناعي يفهم أن شخصيات المسرحية تعيش بأهدافها ودوافعها الخاصة، وهذا الإدراك ليس مفاجئاً بالنظر إلى الصعوبة التاريخية التي يواجهها الذكاء الاصطناعي في محاكاة الذكاء العاطفي.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة