اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

استثمار اليقظة

استثمار اليقظة

klyoum.com

أ. د. حمزة بن سليمان الطيار

لما استجدَّت وسائل التواصل الاجتماعي، واتخذها بعض ‏الناس وسيلةً لهدم بعض البلدانِ طمع بعض الرعاعِ في أن يضربوا بها لُحمَة هذا المجتمع السعودي، وأن ‏يُشوشوا بها على مسيرة الوطنِ، فكان شعبنا -بفضل الله تعالى- ممتّعاً باليقظة المثمرة، وبادر ‏إلى قلب الطاولة عليهم، وجلدناهم بالعصا التي ظنوا أنها ترعبنا..

من مظاهر تكريم الله تعالى للإنسان، وخَلْقِه له على أحسن تقويمٍ أن منحه من وسائل ‏التمييز والفهم ما إذا استعمله -على الأوجه الصحيحة- عرف كيف تُجتَلَبُ المصالحُ، وتُدرأُ ‏المفاسدُ، والإنسان يُولد مفطوراً على قابلية التمييز بين الحق والباطلِ، وبين الضارّ والنافعِ، ثم ‏إما أن ينشأ على تربية تلك القابلية واستثمارها، وإما أن ينشأ على تعطيلها وصرفها عن ‏دربِ الفطرةِ، وعلى كلِّ حالٍ فهو مأمورٌ باستثمار أهليّتِه في التدبُّر، والنظر فيما يُصلحُ به ‏دينَه ودنياه، فإن فعل ذلك -كما أُمر به- احتاط لمعاده ومعاشه، وكان شاكراً لنعمة الله ‏تعالى عليه؛ فإن المعرفة نعمةٌ عظيمةٌ، ومن تمام شكر النعمةِ صرفُها فيما ينبغي أن تصرف ‏فيه، مما يرضي واهبَها سبحانه وتعالى، ويُسهم في عمارة الأرضِ وإصلاحها، ولا يتأتّى النظر ‏والاعتبار إلا باليقظةِ والكياسةِ، ورصدِ الحقائق واستثمار المعلوماتِ الناتجة عن المحسوساتِ ‏الكونية، وما وصل إلى الإنسان من أخبار السابقين؛ ولهذا ورد في القرآن الكريمِ الأمر بالنظر ‏في الآيات الكونِيّة واستثمار ذلك، كما في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ ‏وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)، والحضُّ على أخذ العبرة من أخبار الأمم السّالفة، كما في ‏قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، فعلى الإنسان أن يتحلى باليقظةِ ‏وأن يستثمر ذلك فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع، ولي مع استثمار اليقظة وقفات:‏

الأولى: التحلّي باليقظةِ حظٌّ عظيمٌ من أسبابِ الفلاحِ في الدنيا والآخرة، ودربٌ سليمٌ من ‏دروبِ السّلامةِ، ولكنه لا يخفى أن امتلاك الأسباب لا يكفي ما لم يقم الإنسان باستثمارها ‏على الوجه الصحيح، وكما أن هذا مُشاهدٌ في الأسباب المادية فهو مجرّبٌ في الأسباب ‏المعنويّة، فلا يكفي أن يكون الإنسانُ ذا يقظةٍ وكياسةٍ ما لم يستثمر تلك الموهبةَ، ولو نظرنا ‏في أخبار الناس مما نُقل لنا عن السابقين، وعن تجارب الحاضرين لعلمنا أن المرء قد يكونُ ‏ممتّعاً بأهلية اليقظة، ويُهمل استثمارَها عند الحاجة إلى ذلك، فتطير هدراً، بينما سمعنا ورأينا ‏من يستثمر يقظتَه فينجح في المواقف الحاسمة، التي يقف الإنسان فيها عند مفترقِ الطرقِ، ‏كما حصل للصحابيِّ الجليل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله تعالى عنه، فإنه قَالَ: (لَمَّا قَدِمَ ‏رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم المَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه ‏وسَلم, فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم، ‏عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ)، أخرجه الترمذيُّ وصححه، فهذا موقفٌ حاسمٌ نجا فيه ‏هذا الرجلُ بفضل الله تعالى، ثم بتحلّيه باليقظةِ، وفراسته الصادقة، وكم مُهملٍ لليقظةِ نظرَ في ‏ذلك الوجهِ الكريمِ، وتعامى عن الاستنتاج المبارك الذي توصّل إليه ابن سلامٍ رضي الله تعالى ‏عنه.‏

الثانية: استثمار اليقظةِ له أنماطٌ كثيرةٌ يجب الالتزام بها، ولا يُعتدُّ به إذا كان بالفوضى ‏والعشوائية، فهناك أمورٌ تتجسّد اليقظة لها في إسنادِها إلى من له أهليّةُ النظر فيها، فاليقظة فيما ‏يتعلّق بالأمور العامةِ الوقوفُ فيها عند ما يُقرِّرهُ وليُّ الأمر؛ فإنّه المرجعُ فيها، وهو المخوّل ‏بالنظر فيها، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله تعالى عنه قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ ‏عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ" متفق عليه، ‏فمن التزم بهذا فقد جرى على منهج التحري المطلوب، واليقظة المثمرةِ، ومن ادعى اليقظة ‏خارج هذا الإطارِ، فهو كالمريض يدعي اليقظةَ في التخبط فيما يتخيّله بعيداً عن قرارت ‏أطبّائه، أما في معرفة الأحكام الشرعيةِ فيُؤمر من ليست له أهليّة النظر بالرجوع إلى علماء ‏الأمةِ الموثوقين المعتبرين من قبل ولي الأمر، ولا يسوغ الرجوع إلى كل من هبَّ ودبَّ، وكذلك سائر ‏التخصصاتِ لا يكون الإنسانُ يقظاً في شأنِها ما لم يرجع إلى صاحب الخبرة المعتبر الموثوق، ‏وبهذا أمر الله تعالى في قوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). ‏

الثالثة: أنعم الله تعالى علينا في هذا البلد المبارك المملكة العربية السعودية بأن ألهم مجتمعنا ‏اليقظةَ واستثمارَها، فكانَ بالمرصادِ لكلِّ دسيسةٍ تُحاك ضدَّ هذا الوطنِ، وقد مارس المواطنون ‏الدفاع عن وطننا بكلِّ الوسائل، ولما استجدَّت وسائل التواصل الاجتماعي، واتخذها بعض ‏الناس وسيلةً لهدم بعض البلدانِ طمع بعض الرعاعِ في أن يضربوا بها لُحمَة هذا المجتمع السعودي، وأن ‏يُشوشوا بها على مسيرة الوطنِ، فكان شعبنا -بفضل الله تعالى- ممتّعاً باليقظة المثمرة، وبادر ‏إلى قلب الطاولة عليهم، وجلدناهم بالعصا التي ظنوا أنها ترعبنا، فكانت هذه الوسائل من ‏رماحِ شعبنا المسدَّدةِ في نحورِ أعدائنا، فينبغي أن نستديم ذلك وأن نزداد حرصاً على اليقظةِ ‏واستثمارِها، ووسائل ذلك كثيرةٌ فأولها الاستعانةُ بالله تعالى، ثم التفكيرُ السليمُ، والمقارنةُ ‏والاستنتاجُ، والوقوف صفّاً وراء قيادتنا المباركة، وتقديم مصالح الوطن بلا تردُّدٍ.‏

 

‏ ‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة