خبراء الوهم!
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
ترامب ينشر تدوينة وزير خارجية باكستان حول مضيق هرمزمحمد العتيبي
لا أظن أن هناك مصطلحًا أكثر شيوعًا وإثارة للاستفزاز من مصطلح "خبير" وتفرّعاته من قبيل: "محلل"، "مستشار"، والتي يخلق استخدامها مهنًا افتراضية لا محلّ لها من الإعراب ولا أساس لها من الصحة. هذا الإسهاب المتدفّق في التوصيفات المهنية التي يسعى البعض إلى تضخيم مهاراته وبراعاته تحت عباءتها منتهزًا جدران الرقابة والتحقق والتدقيق الوهمية المتاحة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والعبثية المطلقة في طرح ما يريد متى يريد كيفما يريد، دون سند معلوماتي أو خبرة معرفية أو حتى تجربة مستحقة، أو علم وازن، أسهم في تمسيخ محتوى تلك المنصات، وفي زعزعة الموضوعية وثقة المتلّقي، وتحولت تلك المنصات من نوافذ لبث المعلومة الثرية، إلى مجرد مسارح للاستعراض والتبارز والتباهي، تحرّكها الأهواء والأمزجة والتمنيات وفي أحيان الأمراض النفسية المدفوعة برغبات الظهور والتأثير وإثبات الحضور ولو عنوة.
"الخبير" أو "المحلل" أو "المستشار" جميعها مرتبات علمية ومهنية ومهارية مُعتبرة، تفرضها المسيرة المهنية المتراكمة، والخبرات المعرفية والعملية والكفاءة التي تمنح صاحبها تميّزاً في اختصاصه، وخطوة متقدّمة على أقرانه. لكن مع تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مفتوحة لتسويق الذات وبناء الصورة المهنية لا سيما خلال السنوات الأخيرة، فقد تم استغلال هذه المنصات بما تتيحه من مساحات غير محدودة، بل ومنفلتة، للاستخدام المفرط لهذه المصطلحات، والتي تمنح مدّعيها ألقابًا تعكس قيم عالية في الاحتراف والعمق المعرفي دون أن يرافق ذلك أي معايير واضحة أو رقابة مهنية حقيقية، ما يعني بعبارة أخرى حالة خداع مع سبق الإصرار والترصد للمتلقي والمتابعين. في هذا السياق، نسأل: من يا ترى يجرأ على أن يطلق على نفسه لقب "طبيب" أو "مهندس" دون أن يتمتع بالمؤهل الأكاديمي والمهني الذي يخوّله لذلك؟ّّ! الجواب دون تردد: لا أحد، وإن فعل؛ فإنه بذلك يعرّض نفسه للمساءلات القانونية. بيد أن المسألة عند لقب "خبير" أو "مستشار" تبدو مختلفة تمامًا، حيث لم يعد اللقب حكرًا على من يتمتع بالكفاءة والدراية المعرفية والمهنية الكافية، بل أصبح متاحًا وبالمجان لمن ينشط على المنصات الرقمية ويحصد علامات الإعجاب من المتابعين، مما أدى إلى تآكل قيمة هذه الألقاب أو على وجه الدقة "المراتب"، لغياب أي معايير واضحة أو رقابة مهنية حقيقية لضبط استخدامها.
ومما ينعش هذه الظاهرة، ما تسهم به خوارزميات المنصات في مكافأة المحتوى السريع بغض النظر عن دقته أو عمقه، ما يدفع البعض إلى استسهال الخوض في القضايا المعقدة أو المتخصصة، فنجد الخبراء "الافتراضيون" يندفعون إلى تقديم النصائح والإرشادات في مجالات حساسة ومصيرية في بعض الأحيان من قبيل الصحة والاستثمار والتنمية والإعلام وصولًا إلى ما هو أبعد من ذلك حيث التخطيط الاستراتيجي والعسكري والأمن السيبراني وعلوم الجينات .. الخ، ليصبح المتلقي بالتالي وأمام مهرجان استعراض الذات هذا، عرضة للتأثر بالمعلومات المضللة والانسياق تجاه ما يمليه عليه صديقنا "الخبير"! الأمر لا يتوقف عند حدود التضليل فحسب، بل يمتد لأثر هذه الظاهرة في إفشاء حالة من عدم العدالة لأصحاب الخبرات الحقيقية الذي بنوا مسيرتهم على أسس أكاديمية ومهنية حقيقية، إذ يجد هؤلاء أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع "الخبراء الافتراضيين" الذي يختزلون معرفتهم وقدراتهم في إجادة التسويق لأنفسهم ليس أكثر.
إن النظر إلى هذه الألقاب على اعتبارها مجرد "ألقاب" عابرة يعد تبسيط لأزمة حقيقية وفوضى عارمة، يعج الفضاء الرقمي بدخانها، وتتسبب في تشويه المشهد وتسميم الوعي وترويج الوهم عبر غرف التضليل الرقمية، ما يعني أن ذلك يحتاج إلى وقفة جادة تبدأ برفع مستوى الوعي لدى الجمهور، وتشجيع ثقافة التحقيق والتدقيق للمعلومة، وعدم الانجرار خلف البريق الظاهري للألقاب، حماية للجمهور من الوقوع في فخ هوس خبراء الوهم.