اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الاغتباط بالوطن الغالي

الاغتباط بالوطن الغالي

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من الاغتباط بالوطن الثقة بولاة الأمر، والقناعة بما يقررونه من المصالح والأنظمة، ‏والوقوف عند الضوابط التي يضعونها للأمور، وعدم مخالفتهم في شيءٍ من ذلك، وألا ‏يفتات عليهم في الحديث عن الشأن العامّ، لا سيّما في شأن الأمن وما يتعلق بالمصالح ‏العليا؛ فإن تَسَوُّرَ عامة الناس على هذه المواضيع يضرُّ بالأمن، ويزرع الرعب والقلق في ‏النفوس..

مِنحُ الله تعالى لعباده كثيرةٌ لا يأتي عليها الإحصاءُ، وواجبٌ على المسلم أن يُديم ‏شكرَها والعرفانَ بها، وأن يُدركَ عظمةَ ما أنعمَ الله تعالى به عليه، وأن يسعى في حفظ تلك ‏النعمة واستدامتها وزيادتها، ونعمةُ الوطن الآمن المستقرِّ من المواهب الكلية التي تندرج تحتها ‏مواهبُ جزئيّةٌ لا تُحصى؛ إذ جريان أمور الدين والدنيا على طريق السداد متوقفٌ على الأمن ‏والاستقرار، وحيثما غاب الأمن هدّدت الضروريات الكبرى، وهي حفظ الدين والأنفس ‏والعقول والأموال والأعراض، وقد رزقنا الله تعالى هذا الوطن المبارك المملكة العربية السعودية ‏الذي يتمتع من الخصائص التاريخية والدينية بما لا يوازيه فيه غيره من الأوطان، وهيّأ لنا فيه ‏من أسباب العزِّ والطمأنينة والكرامة ما لا تُخطئه العين، وولّى علينا قيادةً كريمةً أصيلةً نراها ‏على قدر المسؤولية في أي مرحلة من مراحل هذه الدولة، ولا شكَّ أن هذه نعمٌ عظيمةٌ يجب ‏علينا أن تكونَ ماثلةً في ذهن كلِّ فردٍ منّا، وأن نبذل جميع الجهود الممكنة في سبيل إعزاز ‏الوطن وحفظ مقدَّراتِه ومكتسباته، والغيرةِ عليه، والدفاع عنه وعن قيادتِه وقيمِه، وأن يقفَ ‏كلُّ واحد منّا في الثغر الذي يسعُه الوقوفُ فيه حتى لا يؤتَى الوطنُ من قِبَلِه، وألا نستكثر ‏شيئأً بذلناه في سبيل إعزاز هذا الوطن، وأن نكون مغتبطين بهذه المنحةِ الإلهية، ولي مع ‏الاغتباط بالوطن وقفاتٌ:‏

الأولى: أولى خطوات الاغتباط بهذا الوطن المبارك الفرحُ بما حبا اللهُ تعالى به هذا المجتمعَ من ‏صفاء المعتقد، والوسطية والاعتدال ونبذ التحزبات، والابتعاد عن البدع والمحدثات الدينيّة، ‏وإعلاءِ القيم العربية الأصيلة، وهذه الخصائص السامية من أسباب التمكين والاستقرار كما ‏قال تعالى: "وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا منْكُمْ وَعَملُوا الصَّالحات لَيَسْتَخْلفَنَّهُمْ في الْأَرْض كَمَا ‏اسْتَخْلَفَ الَّذينَ منْ قَبْلهمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ منْ بَعْد ‌خَوْفهمْ ‏‏‌أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْركُونَ بي شَيْئاً"، ثم استذكارُ ما يمثّله الوطنُ الآمن من منحة جلية، وهذا ‏الاستذكارُ عبادةٌ قلبيّةٌ يُداومُ عليها كلٌّ منّا، فهو لا يفتح عينيه إلا رأى أثراً من بركةِ الوطن، ‏فمن اللائق أن يتعوّدَ على أن يواكبَ ذلك باستحضار أنَّ هذا من نعم الله تعالى، وهذا ‏مأمورٌ به في قوله تعالى: "وَاذْكُرُوا إذْ أَنْتُمْ قَليلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْض تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ ‏النَّاسُ ‌فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بنَصْره وَرَزَقَكُمْ منَ الطَّيِّبات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"، ويلي هذا التذكرَ ‏الاعترافُ بهذه النعمةِ بإرجاع الفضل فيها إلى اللهِ تعالى كلّما تحدثنا عنها، فالاعتراف لله ‏تعالى بأنّه المنعم دأب الشاكرين من الأنبياء -عليهم السلام- وأتباعهم، فهذا نبي الله ‏سليمانُ عليه السلامُ لما أُحضرَ له عرشُ ملكة سبأ قال: "هَذَا ‌منْ ‌فَضْل ‌رَبِّي ليَبْلُوَني أَأَشْكُرُ ‏أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لنَفسه وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَريمٌ"، وبالمقابل لمّا كابرَ قارونُ ‏ورفض الاعترافَ أنَّ ما مُنحَه إنما هو رزقٌ ساقه الله إليه، وقال لمن ذكّرَه بذلك: "إنَّما أُوتيتُهُ ‏‏‌عَلى ‌علْمٍ ‌عنْدي" كان ذلك سبباً في زوال نعمة الله تعالى عنه، وحلول نقمته عليه.

الثَّانية: من ضروريات الاغتباط بالوطن الإخلاصُ لولاة الأمر، وبذل واجب السمع والطاعة ‏لهم، وهذان ركنان للاستقرار لا يمكن أن تتحقَّقَ محبّةُ الوطن مع الإخلال بشيءٍ منها، أما ‏الإخلاص لولاة الأمر فتواطؤ الظاهر والباطن على الوقوف معهم، وهذا هو النصح المنوَّه به ‏في حديثِ تَميمٍ الدَّاريِّ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّ ‏‏‌الدِّينَ ‌النَصيحَةُ، إنَّ ‌الدِّينَ ‌النَّصيحَةُ، إنَّ ‌الدِّينَ ‌النَّصيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لله ‏وَلكتَابه وَلرَسُوله وَأَئمَّة المُسْلمِينَ وَعَامَّتهمْ"، أخرجه مسلمٌ، قال بعض أهل العلم: (والنصيحة ‏لأئمة المسلمين: إعانتهم عَلى ما حُمِّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خَلَّتهم عند ‏الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم)، وأمّا بذل السمع والطاعة لهم فإنَّه ‏ركيزة الأمن والاستقرار؛ إذ هو -بإذن الله- صمام الأمن من الفوضى؛ ولهذا كثرت ‏النصوص الموجبةُ له في الوحيين.‏

الثالثة: من الاغتباط بالوطن الثقةُ بولاة الأمر، والقناعة بما يقررونه من المصالح والأنظمة، ‏والوقوف عند الضوابط التي يضعونها للأمور، وعدم مخالفتهم في شيءٍ من ذلك، وألا ‏يفتات عليهم في الحديث عن الشأن العامِّ، لا سيّما في شأن الأمن وما يتعلقُ بالمصالح ‏العليا؛ فإن تَسَوُّرَ عامة الناس على هذه المواضيع يضرُّ بالأمن، ويزرع الرعب والقلق في ‏النفوسِ، ولها آثارٌ سلبيّةٌ كثيرةٌ؛ ولهذا ذمَّ الله تعالى المنافقين بوقوعهم فيه، فقال تعالى: "وَإِذا ‏جاءَهُمْ أَمْرٌ منَ الْأَمْن أو الْخَوْف أَذاعُوا به وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُول وَإلى أُولي الْأَمْر منْهُمْ لَعَلِمَهُ ‏الَّذِينَ ‌يَسْتَنْبطُونَهُ ‌منْهُمْ)، وهذا التسوُّر يُعدُّ إشكالاً كبيراً لو حصلَ في مجلس يضمُّ عدداً ‏محدوداً من الناس، فما بالكمُ إذا حصل في وسائل التواصل الاجتماعيِّ؟!

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة