قواعد المستفيد الحقيقي
klyoum.com
د. سعود المريشد
تأتي «قواعد المستفيد الحقيقي»، والتي صدرت مؤخراً كحلقة في سلسلة إصلاحات تشريعية متراكمة، تجلت فيها إرادة المملكة في بناء منظومة وطنية متكاملة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي جزء من منظومة نوعية وطنية باتت يستشهد بها دولياً كنموذج للتحول التشريعي المؤسسي، لا سيما في ضوء عضوية المملكة الفاعلة في مجموعة العمل المالي ومجموعة (الإيقمونت)، وما يترتب عليهما من التزامات دولية وتقييمات متبادلة تقيس مدى الفاعلية التطبيقية؛ حيث ارتبط مفهوم المستفيد الحقيقي ارتباطاً وثيقاً بالتوصية رقم (24) المحدثة من توصيات مجموعة العمل المالي، والتي تلزم الدول بضمان توافر معلومات كافية ودقيقة ومحدثة بشأن الملكية الفعلية للأشخاص الاعتباريين، بوصفها ركيزة جوهرية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ وأساسها هنا هو أن المستفيد الحقيقي ليس بالضرورة من يظهر في عقد التأسيس أو السجل التجاري، بل قد يكون مستتراً خلف ترتيبات الوكالة أو الوقف أو الصناديق وغير ذلك، وهي بالضبط نوعاً من النماذج التي رصدتها مجموعة العمل المالي ضمن أبرز أساليب التحايل على الرقابة المالية؛ ومن ثم، فإن هذه القواعد لا تقرر التزام إفصاح مجرد، بل ترسي نظام تحقق مستمر يحد من توظيف الشركات كواجهة لتبييض عائدات الجريمة أو تمرير تمويل الإرهاب.
ويكشف أثر هذه القواعد أنها تؤسس لنموذج رقابي مزدوج المسار؛ مسار داخلي يقع على عاتق الشركة ذاتها عبر إلزامها بتطبيق إجراءات «العناية الواجبة» تجاه العميل للتحقق من هوية مستفيدها الحقيقي واتخاذ تدابير متناسبة مع مستوى مخاطرها، والآخر خارجي يمتد أثره إلى المؤسسات المالية وكيانات الأعمال والمهن غير المالية المحددة، والتي تعد بيانات المستفيد الحقيقي شرطاً لازماً لإتمام إجراءات «اعرف عميلك»، عند تأسيس علاقات التجارية؛ هذا التقاطع يعني أن الشركة التي تقصر في الإفصاح لا تتعرض للعقوبة النظامية وحسب، بل تخاطر بالإقصاء من منظومة التمويل والخدمات المالية؛ حيث تكتسب القواعد أهمية مضاعفة في سياق الهياكل المعقدة كالشركات متعددة الطبقات أو ترتيبات التصرف بالنيابة، باعتبارها ملاذاً أمناً ومفضل للجريمة المنظمة؛ إذ تحول القواعد مسؤولية تفكيك هذه الهياكل وتتبع المستفيد الفعلي من الجهات الرقابية إلى الشركة نفسها، بما يعكس توجهاً دولياً متصاعداً نحو تحميل القطاع الخاص جزءاً من أعباء مسؤولية الامتثال الرقابي في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هذه القواعد على صعيد التقييم تمثل نقلة نوعية في مسيرة الإصلاح التشريعي، لا سيما في ضوء نتائج التقييم المتبادل للمملكة أمام مجموعة العمل المالي، إذ تعالج مباشرة إشكالية الشفافية في الملكية الاعتبارية التي تعد من أبرز عوامل الضعف في منظومات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ غير أن الأثر التطبيقي لهذه القواعد يتوقف على عدة عوامل أبرزها: مدى فاعلية الربط بين سجل المستفيد الحقيقي وقواعد بيانات الجهات الرقابية المعنية، وقدرة الشركات على تعقب سلاسل الملكية غير المباشرة التي قد تمتد إلى اختصاص قضائي آخر؛ وفضلاً عن ذلك، يبقى غياب آلية واضحة لتحديد المستفيد الحقيقي في الهياكل العابرة للحدود ثغرة تستوجب المعالجة عبر اتفاقيات ثنائية لتبادل المعلومات؛ ولمعالجة هذه الإشكاليات، يقترح تطوير أدلة قطاعية متخصصة للقطاعات الأعلى مخاطر، وتعزيز الربط المعلوماتي بين سجل المستفيد الحقيقي ومنظومة الإفصاح المالي، وتكثيف برامج تأهيل المتخصصين القانونيين والمراجعين الماليين بوصفهم خط الدفاع الأول في تحديد المستفيد الحقيقي وتوثيقه.