سوسيولوجيا «العيد» في الفن
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
الأرباح السنوية لـ صناعة الورق تتراجع إلى 66.7 مليون ريالد. حسان صبحي علي حسان* فنون بصرية إعداد- احمد الغنام
يأتي الفن كأداة تعبيرية، وسجل بصري يستنطق الذات ويصور الحقائق وجوهر الوجود، لتجسيد تجارب خاصة تترجم أحاسيس الفنان ومشاعره ومحيطه المجتمعي، فالفنان ابن بيئته يجسد واقعه في أعمال بصرية وصوتية وحركية، كمحاولة للنقش والتذكير والتعريف بالبنى المجتمعية، ليرتكز معيار الإبداع الفني إلى التجربة التي ترتد إلى أصل اجتماعي.
ففي تجاوز لكونه مجرد فعل جمالي، لا تنظر سوسيولوجيا الفن إلى «العمل» كمساحة ولون وقيم ملمسية، وأن مبدعه معزول في صومعته أو داخل ذاته، وإنما هو عضو في مجموعات، بما يعني أن الفن منتج جمعي وليس منتجاً فردياً، وهو ما يشكل الفن «كوثيقة اجتماعية» وتدوين وجداني حي يسجل العادات والتقاليد والاحتفالات وتشخيص الحياة اليومية، ليصبح العمل هو نتاج شبكة معقدة من العلاقات بين (المجتمع والسياقات التاريخية والثقافية، والمؤسسات والجمهور والعمل).
وفي مقاربات السوسيولوجيا، ومن هذا المنطق الجمعي للفن الذي يتوافق مع النظريات السوسيولوجية، يأتي حقل الفن كأداة لفهم الواقع الاجتماعي وتحولاته، ويتم تقصيه في بيئة الحقل الاجتماعي الأوسع، وإعادة لصياغة «الذاكرة الجمعية» للمجتمع، وتحويل الطقس الاجتماعي «لأيقونة بصرية» عابرة للزمن، فسوسيولوجيا الفن تخبرنا أن «فرشاة الفنان» ليست في يده وحده، بل يمسكها معه «المجتمع بكامل تاريخه وثقافته». وتصبح اللوحة «رحماً جمالياً» يعود بنا إلى نقاء البدايات، من خلال التركيز على «البراءة اللونية» واستخدام الألوان المشرقة والخطوط التلقائية.
هذا التمثيل البصري وسيلة خطاب وهوية يوظفها الفنان لإنجاز عمله الفني، في إطار تجربة تطرح للمتلقي التعريف التفسيري والتحليلي للفن وسوسيولوجيا الاحتفالات، لتعضيد المشاعر والروحانية والهوية، وتجسيد المعاني المتسامية النابضة واسترداف عناصر من الحياة اليومية والاحتفالات والأعياد والفرحة. ففي أعمال «ضياء عزيز» تصدح المنظومات اللونية بلغة ما وراء الشكل التي تعزز البهجة في أبهى تجلياتها واستدعاء الفرح والأعياد، وترميم شروخ السرور، فكل طفل في أشروحاته الفنية له «كيانه المستقل» و»حكايته وتعبيره الخاص»، وهو ما يخلق «الدراما البصرية» التي تنأى بالعمل عن الرتابة ويمنحه حياة وتدفقاً شعورياً صادقاً ينتقل من الفنان للمشاهد في عدم اكتفاء بنقل تفاصيل البراءة والسعادة والفرح، بل تجسد حيويتها الجارفة. ليتسم العمل الفني لديه بقدرته على أن يكون «جِسراً وجدانياً» وينتقل من «مشهد للترقب» لتجربة للمشاركة، وآلة زمن وجدانية يستعيد المتلقي فيها أفراحه وأعياده وإيمانه بالخير ويسترجع الطفولة «الفطرة والملاذ» وتتحفز ذاكرته الشعورية لاستحضار الضحكات الصافية والألعاب، ويحدث الرنين المغناطيسي بين نبض اللوحة «ووجيب القلب» عبر ريشة صادقة تعيد بعثها من جديد في سماوات مسحورة تتحد مع الفراغ وتفيض بالحب والخير والأمل.
ولأن الفنان البصري لا يتعامل مع العيد كمجرد تراكم للألوان، بل كمختبر اجتماعي يعيد فيه قراءة الروابط الإنسانية، تصدر أعمال «عبدالله حماس موهبة جادة تعرف جيدًا متى تبدأ ومتى تتوقف، لتسطير معزوفات فنية تحول «زمن العيد» المؤقت لحالة ديمومة فاعلة تتحرر فيها العناصر من جاذبية الأرض لتسكن جاذبية الروح، داخل فراغات لا تمثل عدماً بل فضاءات ومتنفساً لعناصره والبيئات التي تنسج ديمومة فاعلة تعج بالأمل كضوء يظهر في توزيع الإضاءة والحالة اللونية المفعمة التي تجرف الحزن لتضع مكانه ولعاً بالحياة وحب العيد.
وإذا كان اللون هو «روح» العمل الفني ونبضه، يأتي الخط عنده «كلغة «صامتة، وأداة تعبيرية تحمل فلسفة الفنان ونغمات الحنين، فالخطوط لديه تعمل كأوتار موسيقية تربط بين الأرض والسماء، بما يجعل النسق الفني يتوحد ولا يتشتت رغم تعدد العناصر، حيث الخطوط المنحنية التي تمنح شعوراً بالانسيابية والهدوء، والخطوط الحادة التي تخلق توتراً درامياً، والخطوط الصاعدة التي تمنح المشاهد شعوراً بالسمو والتفاؤل.
حينما يتحول العيد من مشهد بصري إلى ظاهرة اجتماعية يحللها الفنان بأدواته، وحينما تنتقل فرحة العيد من حدث إلى تكوين فني يجسد مفاهيم الانتماء والتكافل والدفء، تعرض أعمال الفنانة «علا حجازي» ومن خلال (نافذتها الذاتية) دراما البوح كفكرة تأملية مجردة، لصياغة مفهوم يعلي من شأن تلقائية الإفصاح في تجربة لا ترسم العيد، بل ترسم بهجته، ولا ترسم الناس في العيد، بل ترسم الخيوط الخفية التي تربط بينهم، حيث الطبيعة والطيور والأشكال الطفولية مبهجة الملامح خالصة المشاعر، والتي تجعل المتلقي يحلق ويشدو مع روحانيات أجواء العيد ذي النغمات الحالمة.
وعبر علاقات ترابطية تلازم الفن فيها مع تشخيص الاحتفالات والمناسبات بعلاقة ديمومة فاعلة كقيمة متلازمة مع هوية المجتمع، لصياغة تجربة روحية، لم يكتفِ خالد سرور بدور المشاهد وإنما تحول وأدواته ليمنحا المناسبة خلودها. فبينما يمنحنا البعض قصة العيد بذكاء السرد، يمنحنا سرور رائحة العيد عبر شاعرية اللون، ليس بمجرد نقل ما يراه بصرياً في الواقع، بل بتشخيص روح الحدث، فما يربط ريشة الفنان بالعيد ليس مجرد نقل للمشهد، بل هو تلازم بنيوي لترجمة المناسبة من حدث زمني منقضٍ إلى نقش بصري نابض بالحياة، لتغدو ريشته أداة وقصيدة بصرية تبشر بجمال البهجة وفرحة العيد في زمن الصخب، بما يخلق علاقة حيوية تضمن بقاء قيم الفرح حية في الوجدان الجمعي، وجعلها قابلة للاستعادة، فبهجة العيد لحظة استثنائية من الصفاء، يحاول الفنان اقتناصها وترجمتها لأشخاص وألوان وكتل ملموسة.
واحتفت أعمال عبدالعزيز الناجم بقدرة على استحضار زمن البراءة دون انزلاق في فخ التوثيق الفوتوغرافي، وهو ما ساعده على تأسيس أجواء لا يرى المتلقي فيها عابراً مؤقتاً، بل يستنشق هواء اللوحة ويكتسب طاقة إيجابية ويتفاعل مع حالة وجدانية تتحول فيها الألوان من مجرد أدوات للتلوين إلى وسيط روحي يحمل دفء الذكريات التي تجترنا للولع بالحياة والأعياد، ومفتاح الدخول لعوالم البهجة والتنقل باللون من حيز المادة لحيز السكينة البصرية. فاللون لديه ليس صبغة، بل طاقة تعزز الحنينية والبهجة وتحول عمله الفني من مجرد سطح لوني إلى محرابٍ يعكس إيمانه العميق بالحق والخير والأمل كقاعدة أخلاقية يرتكز عليها بناؤه الفني، فالفنان لا يرسم لمجرد الفعل، بل يتحول من تقني ألوان لصانع قيم يبحث عن الحقيقة الجوهرية التي لا تكتفي بنقل المشهد، وإنما تؤطر العودة للبراءة الأولى والبهجة التي لم تتلوث بصخب الحياة.
وحينما يتحول اللون إلى مناخ، واللوحة إلى نصوص شعرية بصرية، تأتي تجربة هاني رزق لتجسد الحدث عبر الشعر والحالة وتقطير للذاكرة لتصل للقلب دون وسيط وبيسر. ففي أعماله يجد المشاهد نفسه أمام حالة لونية مفعمة، وعوالم ساحرة تعج بأجواء مناخية تدفقت من نستولوجيا الفرح والبهجة والحب والخير والولع بالحياة والأمل، وعهود الطفولة البريئة في أعيادها واحتفالاتها، في هيئة إبداعية تقدم الجميل والجليل، وتتعاضد كنصوص شعرية تتشكل في أبهى تجليات التعالي في الرؤية القادرة على مس أعماق القلب وصناعة الأمل وبث طاقية الاستمرار.
وعبر التنصل من الصخب الحكائي والبعد عن التفصيليات المصطنعة بقدرة تجليات التعالي في الرؤية وسمو الفن فوق اليومي والنمطي، وكشاعر لوني يستحضر روح البراءة والصفاء، انحاز الفنان شعبان الحسيني لبلاغة الاختزال، وعدم سرد تفاصيل مملة، والبوح ببيانات وشروحات يسردها قلبه، فأعماله الفنية ليست مجرد تكوينات، بل هي عوائد من زمن البراءة ولجت من بوابة النوستالجيا لتستقر في جوانيات القلب، من خلال نصوصها البصرية المتسامية في رؤيتها بصدقٍ، ليبقى فنه هو القادر على منح الفرح ديمومته، وللحياة بساطتها المفقودة والمعادل للفطرة السليمة التي تمثل جوهر الخير البشري.
*الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد