اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

ألبوم جديد لأم كلثوم

ألبوم جديد لأم كلثوم

klyoum.com

د. عبدالعزيز اليوسف

التحدي الحقيقي لن يكون في قدرة التقنية على محاكاة الإنسان، بل في قدرة الإنسان على إدارة هذه القوة الجديدة بحكمة.. فكلما ازدادت دقة الاستعارات الصوتية والتراكيب الاصطناعية للهويات والأشكال أصبحت الحاجة أكبر إلى معايير أخلاقية وقانونية تحمي الحقيقة، وتحافظ على الحقوق، وتمنع العبث بالثقة العامة..

الصوت أحد أكثر السمات ارتباطا بالإنسان فهو ليس مجرد وسيلة للكلام، بل هو جزء من الهوية الشخصية والذاكرة والتاريخ، ومن خلاله نتعرف على الأشخاص ونستحضر حضورهم حتى بعد غيابهم، لكن ما نشهده اليوم مع تطور الذكاء الاصطناعي ينقل هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة وغير مسبوقة، حيث أصبح بالإمكان تسجيل البصمة الصوتية للإنسان وإعادة إنتاجها بدقة عالية تجعل من الصعب أحيانا التمييز بين الصوت الحقيقي والصوت المصطنع.

لقد تمكنت تقنيات الذكاء الاصطناعي من بناء نماذج صوتية متقدمة لكثير من المشاهير والفنانين والرياضيين والقادة السياسيين وغيرهم. ولم يعد الأمر مقتصرا على الأحياء فقط، بل امتد إلى شخصيات رحلت عن الحياة منذ سنوات طويلة. فأصبح من الممكن أن تسمع صوت شخصية تاريخية أو فنان راحل يتحدث عن أحداث معاصرة أو يعلق على قضية حديثة وكأن الزمن أعاده للحياة من جديد.

وتتجاوز هذه التقنية حدود التقليد الصوتي المعروف، لأنها لا تعتمد على تسجيلات قديمة تتم إعادة تركيبها فقط، بل على إنشاء نموذج رقمي كامل للصوت يستطيع نطق كلمات وجمل لم يتفوه بها صاحب الصوت في حياته. وهذا يعني أن أي نص جديد يمكن أن يتحول إلى خطاب أو أغنية أو حوار بصوت شخص غائب أو متوفى مع المحافظة على نبرة صوته وخصائصه التعبيرية.

ولو تخيلنا المستقبل القريب فقد نجد ألبومات غنائية جديدة لفنانين رحلوا منذ عقود. قد تصدر أغنيات جديدة بألحان وكلمات معاصرة لكنها تحمل صوت أم كلثوم أو عبدالحليم حافظ أو غيرهما من نجوم الفن. كما يمكن أن يمتد الأمر عالميا ليشمل شخصيات فنية مثل مايكل جاكسون وغيره من النجوم الذين لا تزال أصواتهم حاضرة في وجدان الملايين.

ولا يتوقف التأثير عند المجال الغنائي، فصناعة الأفلام تشهد تحولا أكبر وأعمق. فبدلا من الاعتماد على وجود الممثل داخل موقع التصوير يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصنع نسخة رقمية كاملة من هيئته وحركاته وتعابيره وصوته. وبذلك يصبح بالإمكان إنتاج أعمال سينمائية كاملة لشخصيات لم تشارك فعليا في التمثيل.. وقد يظهر ممثل راحل في فيلم جديد أو مسلسل حديث دون أن يكون قد وقف أمام الكاميرا.

وهنا نلاحظ أننا لم نعد نتعامل مع عالم افتراضي يتيح التواصل أو المحاكاة فقط، بل بدأنا نقترب من عالم اصطناعي متكامل يعيد إنتاج الأشخاص أنفسهم. ففي السابق كانت التقنية تصنع بيئات رقمية وأماكن افتراضية، أما اليوم فهي تتجه إلى صناعة البشر رقميا من حيث الشكل والصوت والحضور والسلوك. وهذا التحول يحمل آثارا واسعة تتجاوز الترفيه والفنون لتصل إلى الثقافة والإعلام والسياسة والاقتصاد والقانون.

ومن أبرز التحديات التي تطرحها هذه المرحلة قضية الهوية. فعندما يصبح من الممكن استنساخ صوت أي شخص أو مظهره أو طريقته في الحديث فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدا حول ما هو الحقيقي وما هو المصطنع، وقد تظهر مقاطع صوتية أو مرئية تبدو مقنعة تماما وهي في الحقيقة لم تصدر عن أصحابها، وهذا يفتح الباب أمام احتمالات واسعة من التضليل أو إساءة الاستخدام أو التلاعب بالرأي العام.

كما تثير هذه التطورات أسئلة أخلاقية وقانونية مهمة. من يملك حق استخدام صوت شخص متوفى؟ وهل يحق للورثة الموافقة على إنتاج أعمال جديدة باسمه؟ وهل يمكن اعتبار الصوت ملكية فكرية مستقلة مثل الكتب والأعمال الفنية؟ وما الحدود التي يجب أن تحكم إعادة إنتاج الشخصيات بعد رحيلها؟

ومن جهة أخرى قد تمنح هذه التقنيات فرصا إيجابية كبيرة. فقد تساعد في حفظ التراث الصوتي والثقافي وإحياء الشخصيات التاريخية لأغراض تعليمية ومعرفية. كما يمكن أن تسهم في تطوير وسائل التعلم والإنتاج الإعلامي وصناعة المحتوى بطرق لم تكن متاحة من قبل.

لكن التحدي الحقيقي لن يكون في قدرة التقنية على محاكاة الإنسان، بل في قدرة الإنسان على إدارة هذه القوة الجديدة بحكمة.. فكلما ازدادت دقة الاستعارات الصوتية والتراكيب الاصطناعية للهويات والأشكال أصبحت الحاجة أكبر إلى معايير أخلاقية وقانونية تحمي الحقيقة وتحافظ على الحقوق وتمنع العبث بالثقة العامة.

إننا نقف اليوم أمام مرحلة تاريخية جديدة لم تعد فيها التقنية مجرد أداة تساعد الإنسان على أداء أعماله، بل أصبحت قادرة على إعادة إنتاج صوته وصورته وحضوره. ومع استمرار هذا التطور قد نجد أنفسنا أمام عالم تتداخل فيه الحدود بين الواقع والاصطناع إلى درجة غير مسبوقة. وعندها لن يكون السؤال: كيف نصنع نسخة رقمية من الإنسان؟ بل: كيف نحافظ على معنى الإنسان نفسه وسط هذا الاتساع المتسارع للعالم الاصطناعي؟ والله يستر من القادم.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة