اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

قراءة في مصطلح اللحن

قراءة في مصطلح اللحن

klyoum.com

د. نجوى الكحلوت

في حوارٍ غلب عليه الاستغراب، سألتني إحداهن: لماذا تسمّون الخطأ في القرآن الكريم لحنًا؟ ولماذا تقولون: لَحَنَ القارئ، بدلًا من أن تقولوا: أخطأ؟

استوقفني السؤال؛ إذ يضعنا أمام لفظة مألوفة في مجال القراءة القرآنية، قد تخفى دلالتها على من لم يألف اصطلاح أهل هذا الفن، مع أنها تحمل وراءها تاريخًا من الاستعمال اللغوي، واتساعًا في المعنى، ودقةً في التعبير.

تبدأ الحكاية من اللغة؛ فكلمة اللحن من الألفاظ التي تعددت دلالاتها في العربية، واتسعت معانيها بحسب السياق الذي ترد فيه. فقد يأتي اللحن بمعنى الفطنة، والتعريض في الكلام، والإشارة إلى المعنى من طريق غير مباشر، ويأتي بمعنى الخطأ في الإعراب ومخالفة الصواب في النطق.

ومن شواهد هذا المعنى قول النبي ﷺ: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض»؛ أي أفطن وأقدر على عرض حجته وصياغتها بما يؤثر في السامع. فاللحن هنا يدل على المهارة في توجيه الكلام، واستعمال الحجة في مقام الخصومة، وهو معنى يكشف عن جانب من ثراء اللفظة وتنوع دلالاتها.

أما اللحن في اصطلاح القراء، فيتصل بوقوع الخلل في أداء ألفاظ القرآن الكريم، من جهة مخالفة الصواب في النطق أو الإعراب أو غيرهما من وجوه الأداء. وقد درج العلماء على تقسيمه إلى لحن جلي ولحن خفي؛ فالجلي ما ظهر فيه الخطأ، كإبدال حرف بحرف أو تغيير حركة بما يخل ببنية الكلمة أو إعرابها، والخفي ما يتعلق بدقائق الأداء وأحكام التجويد التي يعرفها أهل هذا العلم ويميزون مراتب إتقانها.

وهنا تتضح دلالة اختيار كلمة اللحن؛ فالخطأ اسم عام لكل مخالفة للصواب، أما اللحن في هذا السياق فقد استقر مصطلحًا فنيًّا يحدد نوعًا من الخلل المتصل بأداء الكلام، ويتيح للمتخصصين تصنيف الأخطاء ووصفها وصفًا دقيقًا. ومن ثم فإن قولنا: «لَحَنَ القارئ» تعبير اصطلاحي تؤيده العربية، ويؤديه الاستعمال العلمي في هذا الباب.

ولعل ما يستحق التأمل أن اللفظة الواحدة قد تنتقل بين دلالات متباعدة في ظاهرها، ثم يجمعها خيط دلالي دقيق. فاللحن الذي يدل على الفطنة في الحجة، واللحن الذي يدل على الخطأ في القراءة، يلتقيان في صلتهما بطريقة أداء الكلام وتوجيهه؛ غير أن السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، ويمنع اختلاط الدلالات بعضها ببعض.

إن العربية تمنحنا في مثل هذه الألفاظ درسًا يتجاوز حدود المفردة إلى طبيعة اللغة ذاتها؛ فهي لغة تتسع معاني ألفاظها، وتستجيب لحاجات العلوم التي نشأت في رحابها، حتى يغدو اللفظ العام مصطلحًا محددًا، يحمل دلالة يعرفها أهل الاختصاص، ويستعملونها في موضعها.

وهكذا، فإن تسمية الخطأ في التلاوة لحنًا تكشف عن جانب من دقة العربية في تسمية الظواهر ووصفها. وما يبدو للسامع استغرابًا في أول الأمر يصبح مدخلًا إلى معرفة أوسع باللغة، وإدراك أعمق لكيفية تشكّل المصطلحات في العلوم العربية والإسلامية.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة