اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

جحد الحقوق

جحد الحقوق

klyoum.com

أخر اخبار السعودية:

مواصفات مرسيدس GLA موديل 2026

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من أخطر المخالفات التحايل على النظام ومحاولة التملّص من تدقيقاته؛ لجحد ‏الحقوق وإهدار مصالح الآخرين، وفي ذلك مخاطرات كثيرة، منها إشغال القضاء وهدر ‏مقدرات الدولة في أمرٍ تحله جملة واحدة، وهي الإقرار بالحق، فالتحايل على النظام ينافي ما يجب على ‏المواطن من احترام الدولة وإجلال قضائها وأنظمتها..

تقتضي حكمة الله تعالى أن يتعامل الناس في هذه الحياة، وأن يستفيد الإنسان من ‏معارف الآخرين، ومن خدماتهم، ومهاراتهم مقابل استفادتهم من ماله، ولا أحد من الناس ‏يخلو من الحاجة إلى معاملة غيره، ولو افترضنا انغلاق هذا الباب لضاقت الأحوال، ولحق ‏الناس عنت شديد؛ ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية أن تتفاوت أرزاق الناس مما يضمن استمرار ‏التعامل بينهم، ولو كانوا على مستوىً واحد في الأملاك لم يستعن بعضهم ببعض، ولم يتبادلا ‏ما في أيديهما من الأملاك، ولو حصل هذا لانقلب المال نقمةً، ومصداق ذلك قوله تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ»،

وبهذه المعادلة يتم تبادل النفع، ‏وتعمر البلاد، وتتحقق المصالح، وقد قررت الشريعة الغراء قواعد المعاملات بين الناس، ‏وضبطتها بضوابط تضمن الحقوق، ولم تفوض ذلك إلى أهواء المتعاملين ورغباتهم؛ وترفع ‏الخصومات؛ لأن النفوس البشرية مجبولة على المشاحة في الحقوق، قال تعالى: «وأحضرت ‏الأنفس الشح»، فكثير من الناس لا يلزم نفسه إنصاف من يتعامل معه، بل يكفيه أن ‏تتحقق مآربه، ولو كانت الأمور بيده لبخس الناس حقوقهم، وجحد منها ما أمكنه، وهذا ‏تعسف كبير، وظلم يأباه الشرع والنظام والقيم النبيلة، ولي مع جحد الحقوق وقفات:‏

الوقفة الأولى: الحقوق لها مكانتها العظيمة في الإسلام وفي النظام؛ ولذا جاءت ‏النصوص الشرعية والنظامية بحفظ الحقوق، ووجوب أدائها لمستحقها، وكان حفظ الحقوق ‏أكثر ما شرع لأجله حفظ الضروريات التي لا تستقيم الحياة بدون حفظها، وهي (الدين ‏والنفس والعقل والمال والعرض)، فنرى أن أربعةً من هذه الخمس تغلب فيها حقوق الناس، ‏فمنها العام كحق الدولة في حمايتها ومعاقبة من حاول الإخلال بأمن المجتمع في النفوس ‏والعقول والأموال والأعراض، ومنها الحق الخاص المتجسد في عصمة نفس كل منا وعقله ‏وماله وعرضه، ومن فضل الله تعالى على عباده أنه عصم لهم هذه الضروريات، ثم أناط بولاة ‏الأمر ومن يولونه الأمن والقضاء ونحوهما مسؤولية النظر في حمايتها وصلاحية البت في ‏النزاعات المتعلقة بها، فهناك حاجز شرعي يجب أن يلتزم به الجميع ويقف عنده احتراماً ‏للحقوق، والمتعاملان إذا التزما بهذا الوازع الشرعي نالا البركة، وإلا كانت صفقتهما منزوعة ‏البركة كما يدل قول النبي صلى الله عليه وسلم في المتبايعين: «فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في ‏بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه، ومن تخطى الحاجز الشرعي في ‏التعاملات فالنظام كفيل بإيقافه عند حده، كما قال بعض السلف: «إن الله يزع بالسلطان ‏ما لا يزع بالقرآن»، وقد أكرمنا الله تعالى في المملكة العربية السعودية بنظامٍ ‏يكفل للجميع حقوقه، وقد سخرت كل الإمكانات المعرفية والتقنية لتطوير كفاءة القضاء ‏عندنا، فكان نعم الضامن لحقوقنا.‏

الوقفة الثانية: من أخطر المخالفات التحايل على النظام ومحاولة التملص من تدقيقاته؛ لجحد ‏الحقوق وإهدار مصالح الآخرين، وفي ذلك مخاطرات كثيرة، منها إشغال القضاء وهدر ‏مقدرات الدولة في أمرٍ تحله جملة واحدة، وهي الإقرار بالحق، فالتحايل على النظام ينافي ما يجب على ‏المواطن من احترام الدولة وإجلال قضائها وأنظمتها، ومنها أن جحد الحق خيانة للطرف ‏الآخر، وغدر به، والخيانة والغدر خصلتان ذميمتان شرعاً وعقلاً وعرفاً، ثم إن جاحد الحق ‏يدور بين احتمالين كلاهما بالغ السوء: أحدهما -وهو الأغلب الأكيد- أن يخسر قضيته، ‏وينكشف كذبه وخداعه، فيخسر مادياً ومعنوياً ودينياً، والآخر أن ينجو بفعلته بواسطة ‏طمسه للأدلة، فيحكم له القاضي بناءً على المعطيات المتاحة، وهذا خسران لدينه، فهو آخذ ‏قطعةً من النار، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ‏‏»إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ، وأقضي ‏له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعةً من ‏النار» متفق عليه. ‏

الوقفة الثالثة: يترتب على أداء الحقوق ورعايتها براءة الذمة ونقاء العرض، والثواب من الله تعالى، ‏وطيب الذكر بين الناس، وهذه عاجل بشرى، فكم سمعنا الناس ينوهون بالأوفياء وينصحون ‏من استشارهم بالتعامل معهم، ويمدحون الصادق، والاعتراف بصدق الصادقين الأوفياء يعد ‏من الإنصاف، وهو من خصال النبي صلى الله عليه وسلم، فعن المسور بن مخرمة رضي الله ‏تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صهرًا له من بني عبد شمسٍ، فأثنى عليه في ‏مصاهرته إياه، قال: «حدثني، فصدقني ووعدني فوفّى..»، ‏متفق عليه، وبالمقابل لا يجني الجاحد المسيء في معاملته إلا سوء الذكر في الدنيا، والخزي يوم ‏القيامة، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ‏جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادرٍ لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن ‏فلانٍ» متفق عليه.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة