اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

أثر وظائف رمضان

أثر وظائف رمضان

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

من أهمِّ آثار الوظائف الرمضانيّةِ تَدَرُّبُ المسلمِ على المعاني السّامية، واستصحابه ما ‏تعلّمه من خلالِ هذا الشهرِ من الصبر والحلمِ وحسن معاملةِ الخلقِ، فمن مقاصد الصيامِ ‏صيانةُ المسلم عن سلبيّاتِ رعوناتِ النفوسِ الأمّارة بالسوء..

يُعدُّ شهر رمضان المبارك مدرسةً روحانيَّةً فريدةً من نوعها، وهو موسمٌ للصيام المعدود ‏من أركان الإسلام الخمسة، ومع هذا تقوى فيه علاقة المؤمن ببقية الأركان، أما التوحيد ‏فمداره على الإخلاص، والصيام عبادةٌ خالصةٌ لله تعالى كما يدلُّ عليه حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ ‏اللَّهُ تعالى عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، ‏إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، متفقٌ عليه، قال بعض أهل العلم: "إنما أضاف الله ‏الصيامَ إليه؛ لأنه لا يُعبد به غير الله في جميع الملل بخلاف غيره"، وأما الصلاةُ فرمضانُ المبارك ‏موسمٌ للتشميرِ في سنة التراويح، وفي هذا تذكيرٌ بأهمية الصلواتِ المفروضة، وأما الزكاةُ فشهر ‏رمضانَ شهر الخير والإنفاق، ومن جادت نفسه بصدقة التطوعِ فمن باب أولى أن تجود ‏بصدقة الفرض، وأيضاً في نهاية رمضانَ تجب زكاة الفطر، وأما الحجُّ فعمرةٌ في شهر رمضانَ ‏تعدلُ حجةً في الأجرِ وإن كانت لا تُسقط فرضةَ الحجِّ، فعباداتُ المسلم في رمضان إما ‏فرائضُ ينافس فيها المتنافسين، وإما سننٌ تقوّي فيه العزيمة على أداء الفرائض وتذكّره بأهميتها، ‏ومع اختتامه ينبغي أن يظهر على المسلم بعد رمضان ما يوحي بتأثُّره بوظائف رمضان، ولي ‏مع ما ذلك وقفات:‏

الأولى: من آثار وظائف رمضان المبارك أن يستديمَ المسلم الإخلاصَ لله تعالى، فيحاول أن ‏تكونَ أعمالُه الصالحة خالصةً لوجه ربِّه سبحانه وتعالى، والنفس البشريةُ تتعوّد على الشيء ‏بالممارسة والتكرارِ، فكما أنّه داوم طيلة هذا الشهر على ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى ‏بلا مراعاةٍ لغيرِه، فلتكن عباداته الفعلية والتركيّة خالصةً لله تعالى، فلا يقصد بها غيره، ولا ‏يلاحظُ فيها غيرَه، فملاحظة المخلوق في العمل تحبطه كما في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله ‏تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى ‏الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)، أخرجه مسلمٌ، ولو ‏لم يتعلَّم المسلم من الصومِ إلا خصلةَ الإخلاص لكفاه ذلك، فالإخلاصُ هو الأسُّ الذي ‏ينبني عليه قبول الأعمالِ، ومن أخلَّ به كان حظُّه من عمله التّعبَ، ومن آثار وظائف ‏رمضانَ الحرصُ على صيامِ التطوُّعِ، وألصقُه برمضانَ زمناً صيامُ ستٍّ من شوالٍ، فعَنْ أَبِي ‏أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ ‏رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، أخرجه مسلمٌ، ومن كان عليه أيامٌ من ‏رمضانَ فعليه أن يبدأَ بقضائها قبل صيامِ هذه السّتِ، ومن صيامِ التطوُّع المرغّبِ فيه صومُ ‏ثلاثةِ أيّامٍ من كلِّ شهرٍ، ففي حديث أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ أنَّ رسولَ الله ‏صلى الله عليه وسلّم قال: (صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، صَوْمُ الدَّهْرِ)، ‏أخرجه مسلمٌ.‏

الثانية: من أهمِّ آثار الوظائف الرمضانيّةِ تَدَرُّبُ المسلمِ على المعاني السّامية، واستصحابه ما ‏تعلّمه من خلالِ هذا الشهرِ من الصبر والحلمِ وحسن معاملةِ الخلقِ، فمن مقاصد الصيامِ ‏صيانةُ المسلم عن سلبيّاتِ رعوناتِ النفوسِ الأمّارة بالسوء، ففي حديث أبي هريرةَ رضي الله ‏تعالى عنه: (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ ‏أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ)، متفقٌ عليه، قال بعض أهل العلم: "جعل الصيام جنة ‏لأنه ‌يقي ‌صاحبه ما يؤذيه من الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان"، فينبغي للمسلم أن ‏لا يستغنيَ عن هذه الجُنَّة بعد انقضاءِ الشهر، بل يتمسّك بما اكتسب أثناء هذا الشهر ‏المباركِ، ‏من رحابةِ الصدرِ والتّسامي عن جفاءِ الجاهلين، وطهارة اللسان والجوارح عن الزور والعمل ‏به، والبعد عن سفاسف الأمور.‏

الثالثة: مما تتجلى فيه آثار وظيفة الصيام موازنة العبد بين الخوف والرجاء، فيخاف أن يؤثر ‏تقصيره على قبول عملِه في هذا الشهر، ومع هذا يرجو من الله تعالى أن يتقبّل ‏منه ما بذله من جهدٍ مستحضراً كرمَ ربّه تعالى، وكونَ هذا الشهرِ فرصةً لنيل أهمِّ المآرب، ‏والخروج بأعظم المكاسب، ولا يُستغرب أن يكون كذلك ففيه منَّ الله تعالى على المسلمين ‏بالنعمة العظمى المتمثلة في نزول القرآن الكريم، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ ‏فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، وباستشعار الخوف والرجاء في هذا ‏المقامِ يكونُ قد توسَّط بين خصلتين متطرفتين ذميمتين، وهما: الأمن من مكر الله، واليأس ‏من رحمتِه، كما أن استشعار الخوف والرجاء يخلّصُ العبدَ من التعويل على عمله، ونسيانِ أنَّ ‏الفضلَ لله تعالى، وهما مدحضتان خطيرتان، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على ‏معالجتهما فقال: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لاَ، وَلاَ ‏أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا)، متفقٌ عليه. ‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة