من يملك الصواب على الدوام؟
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
قرعة ربع نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة تسفر عن مواجهات قوية في جدةفاضل العماني
كثيرة وكبيرة هي الأوهام والوساوس التي يحملها الكثير من البشر بمختلف ثقافاتهم ومستوياتهم، ومهما كان النقد حاضراً والمواجهة على أشدها بينهم وبين المعترضين على تلك الأوهام والوساوس، إلا أن العناد والتزمت، بل والاقتناع والإيمان الذي يحمله عشاق الوساوس وسدنة الأوهام هو من ينتصر في كثير من الأحيان.
يُعتبر مفهوم "الصوابية المطلقة" أو ما يمكن أن يُطلق عليه بمبدأ الصواب على الدوام والذي يُلوّح به الكثير، من أخطر الأوهام البشرية على مر العصور. في كل نقاش أو جدال، تبرز هذه المعضلة الأزلية التي كانت ومازالت تُسيطر على فكر ومزاج ملاّك هذه الصوابية المزعومة، الأمر الذي تسبب في تدهور وتراجع منسوب الاعتدال والتسامح في خريطة الوعي البشري. هذا الوهم الخطير بعنوانه الكبير "امتلاك الصواب" والاستئثار بالحقيقة المطلقة، إشكالية معقدة شهدتها البشرية في كل مراحلها الزمنية وفي كل مسيرتها الحضارية، ورغم كل ملامح التطور والتقدم في بنية الفكر والوعي البشري ورغم كل ما قامت به الأديان السماوية والقوانين الأخلاقية من تحذيرات ونصائح، بل وتحريمات وتجريمات، إلا أنها -الصوابية المطلقة- مازالت وستبقى من التحديات الكبرى في مسيرة البشر.
ولكن، كيف ينشأ ويتمدد ويؤثر هذا السلوك الإنساني السلبي الذي يضعه خبراء وعلماء الإنسان والاجتماع في صدارة السلوكيات الإنسانية الخطيرة؟ بشيء من الاختصار والاختزال والتركيز، سأضع أهم الأسباب والآثار والحلول:
من أهم الأسباب والدوافع التي أدت إلى ذلك، هي طريقة التربية والتهيئة الخاطئة التي تُغرس في فكر وقناعة الأجيال الصغيرة والشابة، إضافة إلى غياب ثقافة الاختلاف والتنوع والتعدد في الكثير من ملامح وتفاصيل الحياة، وكذلك جنوح الرغبة والأنانية لدى البعض لكسب القيمة والمكانة في المجتمع من خلال احتكار الحقيقة والصواب.
أما نتائج وآثار هذه الصفة السلبية فخطيرة ومؤثرة، فهي تتسبب في صنع حالة من الاحتقان والتباين الحاد بين المتحاورين والمختلفين وتزيد من منسوب ومساحة الاستقطاب والتنافر بين الأطراف والقوى المختلفة، إضافة إلى تعاظم حالة التأزم بين أفراد ومكونات المجتمعات بشكل سيؤثر كثيراً في مسيرته التنموية وخريطته الإنتاجية، كذلك ستغيب مؤشرات الشغف والرغبة المستمرة في التعلّم والتطور للأفراد والمكونات نتيجة الانشغال والتصادم مع ملاّك ومدعي الصوابية الأكيدة.
أما الحلول والتصديات لهذه المشكلة الخطيرة، فتتطلب الكثير من العلم والوعي والصبر، أهمها أن تُمارس مؤسسات التنشئة الاجتماعية المتمثلة بالأسرة والمدرسة والمسجد والبيئة المحيطة دورها الفاعل والمؤثر في تدريب النشء على تقبل الاختلاف والحوار وقبول الرأي الآخر، كذلك الإعلام بمختلف أشكاله ومنصاته بحاجة ماسة لأن يُكثّف رسائله ومحتواه الأخلاقي والتوعوي للتشجيع على كسر ثقافة الاحتكار وتعزيز ثقافة التنوع، أيضاً يقع على المجتمع المدني عبر رموزه ومؤسساته الدور الكبير لصنع أفكار ومبادرات مجتمعية تُعلي من ثقافة الاختلاف والتسامح والتنوع.