نراهن على وعي المواطن.. فهو خط الدفاع الأول
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
رسالة مؤثرة من زوجة المدرب إنزاغي تعبر فيها عن حبها للمملكة..صورةم. هاني الغفيلي
في زمن أصبحت فيه المعلومة تتحرك أسرع من الحدث نفسه، لم تعد حماية الوطن مسؤولية يحملها رجل الأمن في الميدان وحده، بل أصبحت تبدأ أحيانًا من هاتف في يد مواطن، من صورة يقرر ألا ينشرها، ومن مقطع يتوقف عنده قبل أن يعيد إرساله، ومن إشاعة يرفض أن يكون جسرًا لانتشارها، وهنا تظهر واحدة من أهم صور المسؤولية الوطنية الحديثة، أن يكون المواطن واعيًا أن المعلومة قد تحمي وطنًا، وقد تضر به، وأن الصمت في بعض اللحظات ليس غيابًا عن الموقف، بل موقف وطني بحد ذاته.
وفي ظل ما تمر به المنطقة من ظروف وتحديات واعتداءات معادية، فإن قوة وبسالة الجهات الأمنية والعسكرية في المملكة تبقى -ولله الحمد- مصدر طمأنينة وفخر، لكن الأحداث تؤكد في الوقت نفسه أن المواطن والمقيم يمثلان جزءًا حقيقيًا من منظومة الحماية، من خلال المحافظة على عدم تداول أي صور أو معلومات قد تتصل بعمليات التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة، وتجنب التقاط أو نشر أي لقطات لمواقع السقوط أو التحركات الأمنية، والحرص على عدم مشاركة أي تفاصيل يمكن أن يستفيد منها طرف معادٍ، والاعتماد على المصادر الرسمية في متابعة المستجدات، وهو ما شددت عليه وزارة الداخلية سابقًا بدعوتها إلى الاعتماد على المصادر الرسمية والحذر من تداول الشائعات ومقاطع الفيديو غير الموثقة.
وتزداد أهمية هذا الدور لأن ساحة المواجهة لم تعد مادية فقط، بل أصبحت معلوماتية أيضًا، فالصورة قد تزوّر، والصوت يمكن استنساخه، والفيديو يمكن تركيبه بدرجة تقارب الحقيقة، والمشهد القديم يمكن إعادة تدويره ونسبته إلى حدث جديد، ومع أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح إنتاج التضليل أسرع وأسهل وأكثر إقناعًا، ولذلك أصبح من المهم تعزيز ثقافة التحقق، والحرص على معرفة مصدر الخبر، ومقارنته بما يصدر عن الجهات الرسمية، والتعامل مع إعادة النشر بوصفها مسؤولية لا مجرد تفاعل عابر.
وفي المملكة نحن أمام مجتمع رقمي شديد الحضور، فتقرير "إنترنت السعودية 2025" الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية يوضح أن انتشار استخدام الإنترنت وصل إلى 99,6%، وأن 61,3% من المستخدمين يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الشبكة، كما يستخدم واتساب 92,7% من المستخدمين، وسناب شات 83,6%، وتيك توك 77%، فيما بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي 45,2%، وهذه الأرقام تكشف حجم القوة التي يحملها كل مستخدم اليوم، لأن ضغطة واحدة تستطيع أن تنقل المعلومة إلى دوائر واسعة خلال لحظات.
وعالميًا، يوضح تقرير الأخبار الرقمية 2026 لمعهد رويترز أن القلق من الأخبار الكاذبة والمضللة عبر الإنترنت ارتفع إلى 62%، بينما لا تتجاوز الثقة في الأخبار التي تصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي 22%، وتنخفض إلى 20% عند الأخبار القادمة عبر روبوتات الذكاء الاصطناعي، وهذا يؤكد أن وفرة المحتوى لم تعد تعني وفرة الحقيقة، وأن أصعب تحديات المرحلة القادمة لن تكون الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على التحقق منها.
والجميل أن ما نراه في كثير من المواقف يكشف مستوى عاليًا من الوعي لدى المجتمع السعودي، مواطنين ومقيمين، من خلال المحافظة على المعلومة، والحرص على عدم تداول ما لم يثبت، والعودة إلى المصادر الموثوقة، والمساهمة في وقف الشائعة قبل أن تتسع دوائرها، وهذا الوعي المتزايد يجعل المجتمع نفسه جزءًا من منظومة الحماية، ويمنح الحقيقة فرصة أكبر للوصول قبل التضليل.
ومن صور المسؤولية كذلك أن ننقل الصورة المضيئة التي نراها، رجال يذودون عن الوطن، وأجهزة تعمل على مدار الساعة، ومجتمع متماسك يحفظ أمنه وثقته، دون تهويل أو مبالغة أو كشف لما يجب ألا يكشف، فالثقة في مؤسسات الدولة، والالتزام بالمعلومة الرسمية، والتعامل المسؤول مع المحتوى، كلها اليوم جزء من مفهوم الأمن الوطني.
ولهذا فإن الرهان الذي يستحق أن نفخر به هو وعي هذا المجتمع، فالمواطن ليس متلقيًا للأحداث فقط، والمقيم ليس بعيدًا عن مسؤولية المكان الذي يعيش فيه، وكل واحد منهما يستطيع أن يكون حاجزًا أمام الشائعة، وسدًا أمام التضليل، وحارسًا للمعلومة، وفي زمن أصبحت فيه الحروب تبدأ أحيانًا من الشاشة قبل أن تصل إلى الأرض، يثبت السعوديون ومن يعيش بينهم أن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده، بل بالوعي أيضًا.