ما يغيّره المال العام
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
مصر: مقتل سيدة خنقا على يد زوجها في قنا.. والكشف عن دافع الجريمةد. هاني بن محمد أبوراس
أول ما يتجه إليه النظر في أدوات التمكين الحكومي حجمها، فيُسأل عن مقدار التمويل الذي رافقته، وعن اتساع قاعدة المستفيدين منها، وعن وتيرة نموها عاماً بعد عام. وهذا مفهوم، لأن الأرقام أقرب الدلائل على حضورها في السوق ووصولها إلى من صُممت لهم، غير أن الكمّ يجيب عن سؤال الانتشار، ولا يبيّن الأثر، والمسافة بينهما تتسع كلما ابتعدت الأداة عن القرار الذي تستهدفه.
وهذه المسافة تبلغ أقصاها حين يكون القرار في يد طرف آخر، وتكتفي الأداة بالتأثير فيه. فالدولة حين تضمن المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا تمنحها التمويل، بل تخفف عبء المخاطرة عن جهة ممولة تبقى وحدها صاحبة الكلمة في قبول الطلب أو رفضه، وهنا ينتقل معيار النجاح من عدد الضمانات وقيمتها إلى ما أحدثته في موقف الممول، سواء في الموافقة ذاتها أم في المبلغ أم في الشروط.
يقرّب ذلك مثال منشأتين نالت كل منهما ضماناً بقيمة واحدة. الأولى كانت ستحصل على تمويلها بالشروط ذاتها لو لم تحمله، والثانية لولاه لرُفض طلبها، أو قُبل بمبلغ أقل وكلفة أعلى، مع أن مشروعها سليم الجدوى. في السجلات تبدو الحالتان متطابقتين، فتُحسبان في الحجم وفي عدد المستفيدين بالقدر نفسه. أما في الاقتصاد فهما أمران مختلفان، إذ صنع المال العام في الثانية قراراً لم يكن ليُتخذ، واكتفى في الأولى بمرافقة نتيجة محسومة مسبقاً. بل يسهل على الأداة أن تبدو في أحسن حال حين يغلب عليها النوع الأول، لأن ضمان من كان الممول سيقبله أصلاً لا يحتاج إلى جهد، فتتحسن المؤشرات دون أن يتغير شيء في موقفه.
من هنا لا يكفي تزايد الضمانات دليلاً على نجاحها. فإذا تقدمت بالسرعة نفسها التي ينمو بها الإقراض في السوق، لم يُعرف من ذلك هل كانت هي التي دفعته، أم أنها سارت معه فقط. ويزداد هذا السؤال أهمية حين يضعف حضورها بين المنشآت الأصغر، فهي الأصعب وصولاً إلى التمويل، وفيها يُنتظر أن يُحدث الضمان أكبر فرق. أما المنشأة القادرة على الاقتراض بنفسها فلا يضيف إليها الكثير. فالأرقام صحيحة فيما تقيسه، لكنها وحدها لا تثبت أن الأداة حققت غرضها.
يكلّف الخلط بين ضمان يرافق القرار وآخر يصنعه أكثر مما يبدو. فالأول يستهلك قدرة ضمانية محدودة بطبيعتها، ويلقي على المال العام التزامات كانت السوق مستعدة لتحملها بنفسها، وبذلك تنتقل المخاطرة من القطاع الخاص إلى الدولة دون أن يتسع الوصول إلى التمويل، لأن من كان سيحصل عليه أصلاً لم يتوقف أمره على الضمان. وما يُستخدم منه على هذا النحو يُحتسب من رصيد وُجد لقروض لا يُقدم عليها الممولون وحدهم، بينما تتضخم أرقام الأداة، ويصير ما بدأ تمكيناً دعماً غير مقصود لمن لم يكن في حاجة إليه.
الضمان، كغيره من الوسائل التي تضع فيها الدولة مالها أو تتحمل فيها مخاطرة في خدمة قرار يتخذه طرف آخر، تكمن قيمته في الفرق بين ما كان سيجري من دونه وما جرى بوجوده. وهذا يصعب رصده لاحقاً إن لم يكن قياسه حاضراً في التصميم منذ البداية. والضوابط التي تحدد أين تُستخدم الأداة وبأي شروط هي التي ترسم وجهة أثرها، والتقويم الذي يقيس تبدّل القرارات قبل حجم المعاملات هو الذي يكشف هل تحقق المراد منها.
المراد من الأداة في النهاية أن تفتح للسوق فرصة سليمة كانت محجوبة عنها، وإذا تحقق ذلك لم يقف عند القرض الأول، فما يرسّخه الضمان مع الوقت من ثقة الممول بالمنشأة يُحسب له حين تستغني عنه في اقتراضها لاحقاً، وإن لم يظهر في سجلاته، وكلما اتسع دور الدولة في بناء الأسواق، صار هذا الأثر الممتد هو المقياس الذي يُعرف به نضج أدواتها، وعليه فإن السؤال الذي تُختبر به أدوات التمكين هو ما الذي لم يكن ليحدث لولاها، والإجابة عنه ليست مباشرة، فموافقة الممول تتأثر بأسباب كثيرة، وبعض النتائج لا تظهر إلا بعد سنوات. ومع ذلك فهذا السؤال وحده يمنع الأداة من أن تصبح أرقاماً تكبر وأثراً يضعف، ويوجّه الموارد العامة إلى فرص سليمة لا تبلغها السوق بنفسها. فالمال العام لا يُقاس بما رافقه من قرارات، وإنما بما غيّره منها.