اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

بين أميركا وإيران.. يقع السلام والحرب والانتشار النووي

بين أميركا وإيران.. يقع السلام والحرب والانتشار النووي

klyoum.com

د. علي الخشيبان

الأزمة الإيرانية - الأميركية ليست بحاجة لواعظين تحكمهم مصالحهم وأهدافهم في المنطقة، البحث عن السلام والاستقرار هو الهدف، والمنطقة تدرك صعوبة استخلاص دقيق لفكرة السلام ومعاييره وأدواته، فالتحديات الكبرى تتجاوز الواقعية والمثالية الى تحديات أكثر عمقا في قلب الأزمة..

في ظل الأزمة القائمة بين أميركا وإيران تقع الجزيرة العربية والدول المطلة على الخليج في إطار جيوسياسي يجعلها أمام خيارات تتأرجح بين خيارات ثلاثة هي فرصة السلام أو الحرب أو الانتشار النووي، كل الخيارات مفتوحة بلا تفضيل، فالمعادلة القائمة تحمل أيضا خيارات أساسية ومسؤولة بشكل مباشر عن تقديم معادلة توازن استراتيجي تبعد المنطقة عن الفوضى وخطر الانفلات في منطقة تسعى لتحقيق البقاء في حالة سلمية بعيدا عن الفوضى.

العودة الأميركية بهذه الصيغة يعبر عنها البيت الأبيض بأنها واقعية سياسية هدفها منع المنطقة من الانزلاق إلى الفوضى غير القابلة للسيطرة عبر صناعة اتفاق يضمن الاستقرار بأدوات نفوذ وقوة هدفها صياغة وصفة سياسية تختبر القدرة الأميركية على تغيير وفرض واقع جديد في عصر تسعى فيه المنطقة إلى المحافظة على الناجين من أزماتها المتكررة عبر العقود الماضية.

الأزمة بين أميركا وإيران هي تعبير عن جدلية أصبحت ثابتة في السياسات الأميركية ترى بأن الشرق الأوسط بأكمله وبكل دولة يجب أن تخضع لحالة من إعادة التعريف وفق قواعد تنسف النظريات السابقة، فإلادارة الأميركية اليوم تعيد تعريف حالة الدول وعناصر التوازن في عملية استحواذ على أزمات المنطقة وإعادة تعريفها وفق منطق مختلف تنضح به تصريحات البيت الأبيض يقوم على أن أميركا برغم أنها لا تريد التدخل بالشؤون السياسية للدول في الشرق الأوسط إلا أنها ترغب في إعادة تعريف الاستقرار وفق مصالحها الاستراتيجية، التي تتطلب وجود دول ذات سيادة قادرة على كبح الفوضى عبر تغيير أدواتها من خلال ضبط مباشر للأفكار التي أدت إلى كثير من هذه الأزمات التي توجد في المنطقة اليوم، حيث كانت تلك الأزمات تعبيرا مباشرا عن حالة (الفرط الاستراتيجي).

عانت دول المنطقة من وجود نماذج سياسية تعاني من حالة (الفرط الاستراتيجي) وإيران هي أحد النماذج، فإذا عدنا إلى حرب الاثني عشر يوما الماضية بين إسرائيل وإيران نجدها نتيجة مباشرة لحالة الفرط الاستراتيجي الذي تعاني منه الدولتان، حيث سمح لهذه الدول بتجاوز الجهود الإقليمية لوضع حد لهذه الصراعات، لقد تحولت المنطقة إلى حالة سائلة صعدت فيها الميليشيات والعناصر ما تحت الدول إلى موقع تهدد الدول وسيادتها وتم اختراق الصفوف وأنشئت الميليشيات في مساحات الشرق الأوسط، وكانت النتيجة أننا اليوم نحصر السؤال بهذه العبارة (ماذا تريد أميركا من إيران،) والحقيقة أن المنطقة بأكملها وقعت ضحية السؤال، وفي المقابل لم يعد بالإمكان إغفال القلق من نتائج هذه الأزمة فالدول مليئة بعناصر الإثارة والتأجيج من كل جانب.

المنطقة ليست مستعدة للانتقال إلى مرحلة ينتشر فيها السلاح النووي ويتحول إلى سباق محموم، كما أنها ليست مستعدة للوقوع تحت معادلة الحرب المفضي إلى السلام، وهي النظرية التي يتبناها الرئيس ترمب الذي يتحاشى مواجهة التاريخ، فأميركا نفسها قامت في العام 1975 بالتوقيع مع إيران على اتفاق يدعم استخدام إيران للطاقة النووية لأغراض سلمية، في إطار برنامج الرئيس أيزنهاور وأطلق عليه اسم "الذرّة من أجل السلام"، من هنا بدأت القضية التي تضع أميركا جزءا من هذا اللغز الدولي الكبير، وهذا يطرح سؤالا مهما عن المخرج المحتمل الذي يمكن أن يختار بين السلام والحرب أو الانتشار النووي.

منذ منتصف القرن الماضي مرورا باتفاق الرئيس أوباما 2015 على خطة العمل المشتركة ومن ثم نقض هذا الاتفاق وإيقافه على يد الرئيس ترمب خلال فترته الأولى، يظهر أمام الجميع لغز مهم يعكس حالة عدم اليقين والقلق من مستقبل الصراع واتجاهاته القادمة في منطقة تبحث عن التهدئة عبر وضع إيران وأميركا في حالة حوار وليس حالة صراع، فالمنطقة تدرك النتائج المتوقعة من تصاعد الصراع الذي سوف يؤدي إلى نتيجة ستجر خلفها نظاما إقليميا غير مستقر لا يستثني أحدا في الشرق الأوسط، المنطقة في الواقع هي ليست مستعدة لصراع محركه الأساس فكرة الهيمنة أو اختبار معادلات سياسية جديدة.

الأزمة الإيرانية - الأميركية ليست بحاجة لواعظين تحكمهم مصالحهم وأهدافهم في المنطقة، البحث عن السلام والاستقرار هو الهدف، والمنطقة تدرك صعوبة استخلاص دقيق لفكرة السلام ومعاييره وأدواته، فالتحديات الكبرى تتجاوز الواقعية والمثالية إلى تحديات أكثر عمقا في قلب الأزمة، ومع ذلك فخيارات الأزمة بين إيران وأميركا مفتوحة ولن تفاجئنا بجديد فحلول الفرط الاستراتيجي الذي عانت منه المنطقة يتطلب أكثر من ترمب وأكثر من أميركا.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة