على إيقاع الهوية.. الفنون التقليدية تنبض في الرياض
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
مكافآت ضخمة للمنتخب العراقي للوصول لنهائيات المونديالالرياض - رؤى مصطفى
ليس التراث ما يُحفظ في الذاكرة فحسب، بل ما يُعاد عيشه كل مرة بصوتٍ مختلف. هكذا يفتح مهرجان الفنون التقليدية 2026 في الرياض أبوابه، لا ليعرض الفنون بوصفها ماضيًا، بل ليعيدها إلى الحياة كحاضر يرى ويُسمع ويُلمس.
في فضاء المهرجان، يتجاور أكثر من (38) لونًا من الفنون الأدائية القادمة من مناطق المملكة، حيث لا تبدو الاختلافات مجرد تنوع، بل حكايات متعددة ترويها الجغرافيا بصوت الإنسان. وعلى إيقاع أكثر من (321) عرضًا حيًا، يتحول الأداء إلى لغة مشتركة، تعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والموروث.
وعلى امتداد الساحات الخارجية، ينبض المسرح المفتوح بإيقاعات المكان، تتعالى دحة الشمال بقوتها الجماعية، وتنثال الخطوة الجنوبية بخفتها المتوازنة، فيما يحضر السامري في المنطقة الوسطى بوصفه فن السمر والتلاقي. هناك، يصبح الإيقاع خريطة، وتغدو الحركة نصًا يُقرأ بلا كلمات.
وفي قلب التجربة، تستعيد الأمسيات الشعرية حضور القصيدة النبطية، لا كإلقاء فردي، بل كصوت جمعي يختزن ذاكرة المجتمع، فيما تشتعل جلسات المحاورة، حيث تتلاقى سرعة البديهة مع عمق المعنى، في أداء حي يكتب نفسه أمام الجمهور.
ولا يتوقف المهرجان عند العرض، بل يمتد إلى التجربة التفاعلية في "حكاية البحر" يعود صوت النهّام ليقود الحكاية، وتنهض أهازيج الغوص كأنها تعبر الزمن، فيما تتيح ورش العمل للزائر أن ينتقل من موقع المتلقي إلى الممارس، ليكتشف أن الفن لا يُشاهد فقط، بل يُعاش.
كما يفتح معرض الفنون الأدائية التقليدية نافذة على تفاصيل هذا الإرث، مستعرضًا الأزياء والآلات والأدوات التي شكلت هوية الأداء، في تجربة بصرية توثق العلاقة بين الفن والمجتمع، وتقدّم الفنون بوصفها سياقًا ثقافيًا متكاملًا لا مجرد عرض. وتبرز في هذه المساحة عناصر الأداء بوصفها لغة بصرية قائمة بذاتها؛ من الخنجر والسيف بوصفهما امتدادًا لرمزية القوة والبطولة، إلى المسبت الذي يُحكم به الإيقاع، وصولًا إلى المجند بما يحمله من دلالات جمالية ووظيفية، لتكشف هذه التفاصيل كيف تتكامل الأداة مع الحركة في تشكيل المعنى.
كما تم عرض أنواع الملابس التقليدية الخاصة بكل منطقة، بما يعكس تنوع البيئة والهوية، ويكشف عن البعد الجمالي والاجتماعي المرتبط بالأداء.
وضمن هذه التجربة، يحضر المعهد الملكي للفنون التقليدية بوصفه أحد أبرز الأذرع المعنية بحفظ هذا الإرث وتطويره، حيث قدم مادة تعريفية بعنوان"البوم ورث" الفنون الإدائية السعودية وُزعت على الزوار لتكون دليلاً مصغراً يرافق التجربة، ويكشف ما وراء الإيقاع؛ متنقّلًا بين فنون المملكة، من السامري في الوسطى، إلى الخبيتي في الغربية، والهيدة في الشرقية، والزراف في الجنوبية، في قراءة تعيد للفنون صوتها ومعناها.
ويمضي "وَرث"أبعد من التوثيق، ليقترب من جوهر هذه الفنون؛ حيث تتجلى القيم في العبارات المصاحبة لها، فـ«الهيدة» تعبّر عن الصوت الجمعي والهوية، بينما يجسّد «الزراف» حضور الضيافة بوصفها قيمة اجتماعية متجذرة، في حين يتقدم «الخبيتي» كلغة ترحيب واحتفاء باللقاء، أما «السامري» فيحمل معنى التكاتف، كما في عبارته: «حنا هل المجد حنا بالعز متكاتفين»، حيث يتكئ على الجماعة قبل الفرد، ويقدم صورة لمجتمع تتناغم فيه الأصوات كما تتناغم القيم.
وتتكامل هذه الصورة مع منطقة المتاجر التي تمنح التراث بعده المادي، وأركان التصوير التي توثق اللحظة في سياق بصري معاصر، حيث يصبح الزائر جزء من المشهد، لا مجرد عابر فيه.
في النهاية لا يقدم المهرجان الفنون بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كهوية قادرة على التجدد تُروى كل مرة بطريقة مختلفة، لكنها تظل وفية لصوتها الأول.