اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الرياض.. عاصمة أمن الطاقة

الرياض.. عاصمة أمن الطاقة

klyoum.com

تهاني عبدالله الخيال

في وقت تتعطل فيه طرق التجارة، وتواجه أسواق الطاقة العالمية تحديات استثنائية، وتتعرض فيه عاصمتنا الرياض لاعتداءات آثمة تستهدف أمنها واستقرارها، كان المشهد الذي شهدته العاصمة السعودية مختلفًا، ويحمل من المعاني ما يتجاوز انعقاد مؤتمر دولي.

فبينما القت الاعتداءات على مطار الملك خالد الدولي بضلالها على حركة السفر، استطاع عدد من الوزراء والمسؤولين وممثلي الدول الوصول إلى الرياض، بعضهم عبر مسارات بديلة، فيما شارك آخرون عن بُعد. ورغم كل هذه الظروف، انعقد الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، وبدأ أسبوع حافل بالفعاليات العالمية.

لم يكن هذا مجرد نجاح تنظيمي، بل مشهدًا يختصر معنى الثقة التي بنتها المملكة عبر عقود، ويؤكد أن الرياض ليست مكانًا يجتمع فيه العالم عندما تكون الظروف مهيأة فقط، بل عاصمة تواصل أداء دورها الدولي حتى في أصعب الأوقات.

وفي افتتاح الاجتماع، وصف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، الرياض بأنها «عاصمة أمن الطاقة»، مؤكدًا أن المملكة ماضية في الوفاء بالتزاماتها تجاه العالم مهما بلغت التحديات.

كانت كلمات سموه تحمل ثقة دولة تعرف قدراتها، وتدرك مسؤولياتها، وتستند إلى سجل طويل من العمل والاستثمار والاستعداد للمستقبل.

فالاجتماع الوزاري السابق للمنتدى عُقد في نيودلهي عام 2018، وبعد ثماني سنوات عاد هذا الحوار العالمي من الرياض، في لحظة أصبحت فيها قضية أمن الطاقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

والمنتدى، الذي تتخذ أمانته العامة من الرياض مقرًا لها، يجمع الدول المنتجة والمستهلكة والعابرة للطاقة، بما يعكس مكانة المملكة بوصفها شريكًا قادرًا على جمع الأطراف المختلفة حول مصالح اقتصادية مشتركة.

لكن ما يجعل الرياض عاصمة لأمن الطاقة ليس استضافة الاجتماعات وحدها، بل ما تقف خلف هذه المكانة من قرارات واستثمارات.

ولعل أكثر ما استوقفني في كلمة الأمير عبدالعزيز بن سلمان حديثه عن خط أنابيب شرق–غرب، الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى مرافق التصدير على البحر الأحمر. فقد استثمرت السعودية قبل عقود في بناء مسار بديل للصادرات، ولم تنتظر حتى تتعطل الممرات البحرية لتبحث عن الحلول.

واليوم، عندما تواجه المنطقة اضطرابات تؤثر في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، تظهر القيمة الحقيقية لذلك القرار.

فقد أوضح سموه أن تكلفة إنشاء البدائل أقل من تكلفة غيابها عند الحاجة. وهذه ليست مجرد ملاحظة عن مشروع نفطي، بل درس اقتصادي في معنى الاستثمار الاستراتيجي.

فالدول لا تُختبر فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بقدرتها على حمايتها وإيصالها إلى الأسواق عندما تصبح الظروف أكثر تعقيدًا. والاقتصاد لا يقيس نجاح البنية التحتية بعوائدها المباشرة وحدها، بل بالخسائر التي تستطيع تجنبها وقت الأزمات.

وهنا تتضح قيمة الموثوقية السعودية.

فعندما تتحدث المملكة عن الوفاء بالتزاماتها، فإنها لا تستند إلى الوعود وحدها، بل إلى استثمارات في الإنتاج والنقل والتصدير، وقدرات تشغيلية جرى تطويرها عبر عقود، وإلى رجال ونساء يعملون في قطاع الطاقة لضمان استمرارية هذه المنظومة.

وقد كان لافتًا تأكيد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، خلال مشاركته في الاجتماع، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لأمن الطاقة العالمي. فالثقة التي تأتي من الدول المستهلكة الكبرى تعكس قيمة الاستقرار الذي توفره المملكة للاقتصاد العالمي.

ولأن الطاقة ليست مجرد سلعة تُباع وتُشترى، فإن موثوقية إمداداتها تنعكس على الصناعة والنقل والكهرباء والاستثمار والأسعار. وكل اضطراب كبير فيها قد يمتد أثره إلى حياة ملايين البشر خارج الدول المنتجة.

ولهذا فإن ما شهدته الرياض لا يتعلق بمكانة المملكة النفطية وحدها، بل بدورها في دعم أحد أهم مقومات الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وتتواصل في العاصمة فعاليات أسبوع الطاقة، بما فيها الاجتماع الوزاري للطاقة النظيفة خلال الفترة من 11 إلى 13 أكتوبر، ومؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرون الممتد حتى 15 أكتوبر. ويجتمع خلالها مسؤولون وخبراء وشركات لمناقشة أمن الإمدادات والتقنيات والاستثمارات ومستقبل الطاقة.

وما يبعث على الفخر أن هذه اللقاءات تستمر رغم التحديات، مع الحرص على سلامة المشاركين وتوفير ترتيبات بديلة لمن تعذر وصولهم بالطريقة المعتادة.

ولا يمكن الحديث عن هذه اللحظة دون استحضار الاعتداءات الآثمة التي طالت العاصمة وما خلفته من ضحايا أبرياء. نسأل الله الرحمة للمتوفين والشفاء للمصابين، وأن يحفظ وطننا وأمنه واستقراره.

لكن وسط هذا الألم، يظل من حقنا أن نعتز بما رأيناه من تماسك مؤسسات الدولة، واستمرار مسؤولياتها، وثقة شركائها الدوليين.

ولعل أكثر ما اختصر هذا المشهد كلمات الأمير عبدالعزيز بن سلمان حين قال: «لا يمكن لأحد أن يكسر شوكتنا. نحن كطائر الفينيق، ننهض من الرماد في كل مرة، مرارًا وتكرارًا».

لم تكن مجرد عبارة بلاغية، بل تعبيرًا عن إرادة وطن أثبت عبر تاريخه قدرته على تجاوز المحن، والمضي في مسؤولياته مهما اشتدت التحديات.

وفي الرياض، لم نكن أمام كلمات تصف الصمود فقط، بل أمام مشهد يجسده. فعاصمة تعرضت للاعتداءات، ومع ذلك واصلت استقبال ضيوفها، وعقد اجتماعاتها، والقيام بدورها في أمن الطاقة العالمي.

لقد علمتنا التجارب أن الثقة لا تُشترى، وأن المكانة الدولية لا تصنعها المؤتمرات وحدها. إنها تُبنى بقرارات تُتخذ قبل الأزمات، وباستثمارات تظهر قيمتها عند الحاجة، وبالتزامات تظل حاضرة عندما تصبح الظروف صعبة.

ولهذا، حين وصف الأمير عبدالعزيز بن سلمان الرياض بأنها عاصمة أمن الطاقة، لم يكن يقدم شعارًا جديدًا، بل كان يصف مكانة بنتها المملكة بالأفعال.

وكمواطنين سعوديين، يحق لنا أن نفخر بوطن لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في الاقتصاد العالمي، بل يثبت في أصعب الظروف أنه شريك يمكن للعالم الاعتماد عليه.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة