اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

في معنى الإشارة

في معنى الإشارة

klyoum.com

د. هاني بن محمد أبوراس

ثمة فرق واسع بين امتلاك القدرة على الرصد، وبين امتلاك القدرة على القراءة. ففي مراحل معينة من تطور الأنساق الاقتصادية والمؤسسية، لا يعود النقص في المعلومات هو ما يحد من جودة القرار، بل في الطريقة التي تُفهم بها هذه المعلومات، وفي الإطار الذي تُدرج ضمنه. فكثير من التحولات لا تبدأ بصورة صاخبة، ولا تصل مصحوبة بإعلانات واضحة عن معناها، بل تنشأ بهدوء داخل التفاصيل الصغيرة، ثم تمضي فترة من الزمن قبل أن يُعاد النظر إليها بوصفها أكثر من مجرد تغيرات عابرة في الأداء أو الحركة أو النتائج. ومن ثمّ، فإن الفجوة التي تتكوّن في كثير من الأحيان ليست فجوة بيانات، بل فجوة قراءة، يصعب سدّها بمزيد من المعلومات ما لم تقترن بإطار يُعطيها معناها.

وفي هذا النوع من التحولات، لا يكون المؤشر كافياً بذاته، مهما بلغت دقته. فالأرقام تستطيع أن تنقل حجم التغير، لكنها لا تمنح تفسيره تلقائياً، كما أن وفرة البيانات لا تؤدي بالضرورة إلى اتساع الفهم. ولهذا قد تمتلك بعض الجهات قدرة عالية على الإحاطة بالتفاصيل، لكنها تبقى أقل قدرة على إدراك الاتجاه الذي تتحرك نحوه هذه التفاصيل مجتمعةً. إذ لا يتحدد الفارق بين الرصد والفهم بحجم ما يُجمع من معلومات، بقدر ما يتصل بطريقة إدراجها ضمن صورة أوسع، تُقرأ فيها الحركة الجزئية في ضوء مسار يمتد إلى ما هو أبعد من لحظته المباشرة. ويبدأ عند هذا الحد الفارق بين قراءة تكتفي بتتبع ما يظهر، وقراءة تحاول استيعاب ما يتشكّل خلفه قبل أن يكتمل ظهوره على السطح.

وعند هذا المستوى، لا يعود السؤال متعلقاً بما إذا كان التغير قد وقع بالفعل، بل بكيفية قراءته. فهناك قراءة تتعامل مع المؤشرات باعتبارها نتائج يمكن تحسينها داخل الإطار القائم، وقراءة أخرى ترى فيها إشارات على تغير أوسع في بنية العلاقات ذاتها. والفارق بين القراءتين ليس لغوياً أو نظرياً، بل فرق ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة القرار اللاحق، وعلى المسار الذي تُبنى عليه الأولويات. فالقراءة الأولى تميل إلى المحافظة على المنطق القائم مع إدخال تعديلات محدودة عليه، أما الثانية فتتعامل مع ما يحدث بوصفه تحولاً يستدعي إعادة النظر في كثير من الافتراضات التي بُني عليها هذا المنطق منذ البداية. وهو فارق لا يُختصر بمزيد من الأدوات ولا بتوسيع نطاق التغطية، بل يستلزم نمطاً مختلفاً في التفكير، يتعامل مع المعطى لا بوصفه نتيجة نهائية، بل بوصفه نقطة دخول إلى ما خلفه. ولا يتحقق هذا النوع من الفهم بصورة تلقائية، لأن التحولات الكبرى لا تعلن عن نفسها دفعةً واحدة، بل تتشكل تدريجياً عبر تراكم إشارات متفرقة قد تبدو في ظاهرها غير مترابطة. ولهذا فإن الاقتصار على متابعة النتائج دون محاولة فهم ما يجمعها في اتجاه واحد، يؤدي غالباً إلى التقاط الظواهر بعد اكتمالها لا أثناء تشكلها. وعندما تصل التحولات إلى هذه المرحلة، يصبح التعامل معها أكثر كلفة، لأن مساحة الحركة تكون قد ضاقت، ولأن كثيراً من الخيارات التي كانت متاحة في البدايات لم تعد ممكنة بالصورة ذاتها، فيتحول القرار من بناء استباقي إلى إدارة لما لم يعد ممكناً تجنبه.

ولهذا، لا تحمل جميع الإشارات الوزن ذاته، كما أن ما يبدو محدود الأثر في بدايته قد يكون أبعد تأثيراً مما يظهر في لحظته الأولى. ولهذا فإن جودة القراءة لا تُقاس بسرعة الاستجابة لما يظهر، بل بالقدرة على تقدير الوزن الحقيقي لما يحدث، وعلى التفرقة بين ما يستحق البناء عليه وما يكفي مراقبته دون إعادة ترتيب واسعة على أساسه. وهي قدرة تُكتسب بالممارسة المتراكمة، وبالعودة المستمرة إلى نتائج القراءات السابقة لمراجعة ما صحّ منها وما لم يصحّ، فالفرز لا يكتمل في لحظته، بل يتحقق ضمن حلقة من المراجعة لا تتوقف. ومن خلال هذه المراجعة المتراكمة، يمكن للحدس أن ينضج، ويمكن للقراءة أن ترتقي من مستوى الانطباع إلى مستوى الفهم المؤسس على تجربة ممتدة.

وهذا التقدير لا يعتمد فقط على الخبرة الفنية، بل على نوع من الوعي الذي يربط بين التفاصيل ومسار الحركة العام، ويقرأ العناصر ضمن علاقتها ببعضها لا باعتبار كل عنصر وحدة مستقلة مكتفية بذاتها. فحين يُنظر إلى التحولات بهذه الطريقة، لا يعود التغير مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، بل إعادة تشكيل تدريجية للعلاقات التي يقوم عليها البناء كله، بحيث تتغير الأدوار والمعاني قبل أن تتغير الأدوات أو المظاهر الخارجية.

وعند هذا الحد، تصبح قيمة القراءة أسبق أحياناً من قيمة الاستجابة ذاتها، لأن فهم الاتجاه في لحظاته الأولى يمنح مساحة أوسع للاختيار، ويتيح بناء القرار على إدراك متقدم لا على رد فعل متأخر. وفي البيئات التي تتسارع فيها التحولات، لا تكون الأفضلية دائماً لمن يمتلك أكبر قدر من المعلومات، بل لمن يستطيع أن يميز بين ما يمر كإشارة مؤقتة، وما يحمل في داخله ملامح مرحلة مختلفة بدأت تتشكل بالفعل، في الوقت الذي تكون فيه صورتها ما تزال في طور التشكل.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com