اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

عصر الحكومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي

عصر الحكومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي

klyoum.com

شهدت النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في القطاع العام عبر منطقة أوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا تحولاً جذرياً خلال السنوات القليلة الماضية. فمنذ عامين فقط، كانت الحكومات، بما في ذلك حكومة المملكة العربية السعودية، تركز على وضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، وتحديد حالات الاستخدام، وإطلاق المشاريع التجريبية. أما اليوم، فقد أصبحت المملكة توظف الذكاء الاصطناعي بالفعل عبر العديد من الوظائف الحيوية، بدءاً من خدمات المواطنين والرعاية الصحية، مروراً بالتعليم والسلامة العامة، ووصولاً إلى التنمية الاقتصادية.

ولم يعد السؤال اليوم يدور حول المجالات التي يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي فيها. بل أصبح السؤال الأهم هو: كيف يمكن للحكومات تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بصورة آمنة ومسؤولة، وبما يحقق قيمة مستدامة للمواطنين؟

وتعكس وتيرة التبني هذا التحول بوضوح. فوفقاً لتقديرات شركة PwC، من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما يصل إلى 135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، لتصبح المملكة أكبر المستفيدين من هذه التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط، مع انتقالها بوتيرة متسارعة من مرحلة التجريب إلى مرحلة التطبيق الوطني واسع النطاق.

ويمثل ذلك بداية مرحلة جديدة من التحول في القطاع العام، وهي مرحلة الحكومات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

ركزت المرحلة الأولى من تبني الذكاء الاصطناعي على حالات استخدام محددة، حيث سعت الحكومات إلى الاستفادة منه في أتمتة العمليات، وتحسين عملية اتخاذ القرار، والارتقاء بمستوى الخدمات.

أما اليوم، فقد أصبحت الطموحات أكبر بكثير. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح يندمج تدريجياً في النموذج التشغيلي للحكومة نفسها. وتعمل مؤسسات القطاع العام اليوم كيف يمكن للأنظمة الذكية أن تساعد في استباق احتياجات المواطنين، وتبسيط سير العمل المعقد، وتحسين توزيع الموارد، ودعم موظفي القطاع العام في أداء مهامهم اليومية.

ويعكس هذا التطور تنامي الثقة بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق قيمة ملموسة، كما يؤكد تحول النظرة إليه من مجرد مبادرة تقنية إلى قدرة استراتيجية تمثل أحد المرتكزات الأساسية للحكومة الحديثة.

ومن المتوقع أن يؤدي ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى تسريع هذا التحول بصورة أكبر.

فعلى خلاف أنظمة الذكاء الاصطناعي التقليدية التي تقتصر على إنتاج المحتوى أو تقديم التوصيات، يمتلك الذكاء الاصطناعي الوكيل القدرة على تنسيق المهام، وأتمتة العمليات، وإدارة سير العمل عبر أنظمة وإدارات متعددة. ويمثل ذلك فرصة كبيرة أمام الحكومات.

فيمكن تصور بيئات عمل يدعم فيها مساعدين أذكياء موظفي القطاع العام، بما يقلل الأعباء الإدارية ويمنحهم مساحة أكبر للتركيز على المهام ذات القيمة الأعلى. كما يمكن تصور خدمات حكومية أكثر استباقية، وأكثر استجابة، وأكثر قدرة على تلبية الاحتياجات الفردية للمواطنين. ومن شأن هذه الإمكانات أن تعيد صياغة طريقة عمل المؤسسات الحكومية.

إلا أن نجاح هذا التحول سيعتمد بصورة متزايدة على قدرة الحكومات على توسيع نطاق هذه القدرات ضمن بيئات موثوقة، ومرنة، ومدعومة بأطر حوكمة فعالة.

ومن أبرز التطورات التي ترسم ملامح هذه المرحلة الجديدة، تنامي الاهتمام بمفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي. فالحكومات تستثمر بشكل متزايد في البنية التحتية، والمنظومات، والقدرات اللازمة لتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي وفق أولوياتها الوطنية.

وتُعد الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، التي تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، نموذجاً بارزاً لهذا الالتزام طويل الأمد، حيث تضع الذكاء الاصطناعي في صميم جهود تنويع الاقتصاد، وتعزيز الابتكار في القطاع العام، وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

ويأتي ضمن هذه الجهود تطوير أنظمة محلية عالية الأداء، مثل النموذج اللغوي الكبير "علّام" (ALLaM)، المبني أساساً على اللغة العربية، ويراعي الخصائص اللغوية والثقافية للمنطقة، مع ضمان الحفاظ على سيادة البيانات الوطنية.

ومن المهم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي السيادي لا يعني الحد من التعاون الدولي أو بناء بيئات رقمية معزولة، وإنما يهدف إلى تمكين الدول من الاستفادة من الابتكارات العالمية، مع الحفاظ على السيطرة المناسبة على البيانات الحيوية، والبنية التحتية، وأطر الحوكمة.

ومع انتقال الحكومات إلى مرحلة التشغيل الفعلي للذكاء الاصطناعي، تبرز أولوية جديدة تتمثل في بناء الثقة. ففي المراحل الأولى، انصب الاهتمام على إثبات الجدوى التقنية وتحديد حالات الاستخدام المناسبة. أما اليوم، فقد توسعت النقاشات لتشمل الحوكمة، والمساءلة، والشفافية، والمرونة.

ويحتاج المواطنون إلى الثقة بأن الخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي آمنة وموثوقة، وتعمل بما يخدم مصالحهم. كما يحتاج قادة القطاع العام إلى ضمان قدرة هذه الأنظمة على العمل بكفاءة واستمرارية، والامتثال للمتطلبات التنظيمية، ودعم الخدمات الحيوية دون التسبب في مخاطر غير ضرورية. وهنا تبرز أهمية الأطر التنظيمية الحديثة وأنظمة حماية البيانات الشخصية التي تشرف عليها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا).

ولهذا أصبحت الثقة اليوم أحد أهم العوامل التي تُتيح توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي.

لن تُقاس المرحلة المقبلة من تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع العام بعدد المشاريع التجريبية التي يتم إطلاقها، ولا حتى بمدى الوصول إلى أكثر النماذج تطوراً، بل ستُقاس بمدى قدرة الحكومات على تشغيل الذكاء الاصطناعي بكفاءة عبر مختلف الخدمات والجهات والمؤسسات، مع الحفاظ على الثقة، والمرونة، والمساءلة.

والمؤشرات الحالية تبعث على التفاؤل، إذ إن العديد من الحكومات في منطقة أوروبا الوسطى والشرقية والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا بدأت بالفعل في إرساء هذه الأسس من خلال أجندات طموحة للتحول الرقمي، والاستثمار في قدرات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

ولا شك أن مستقبل الحكومات سيكون مدعوماً بالذكاء الاصطناعي.

أما الفرصة الحقيقية اليوم، فتتمثل في ضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية قوية، بل قدرة موثوقة تساعد الحكومات على تقديم خدمات أفضل للمواطنين، وتعزيز تنافسية الاقتصادات الوطنية، ودعم التنمية المستدامة على المدى الطويل.

وهذا هو الأفق الجديد للذكاء الاصطناعي في القطاع العام، وهو تحول بدأ يتشكل بالفعل اليوم.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة