اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الاقتصاد الرقمي الجديد

الاقتصاد الرقمي الجديد

klyoum.com

عبدالله مغرم

في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الاقتصاد الرقمي مجرد امتداد طبيعي للثورة الصناعية الرابعة، بل بات يمثل إعادة صياغة عميقة لمفاهيم القوة والنفوذ في النظام الدولي. وفي قلب هذا التحول، يظهر فاعل جديد لا ينتمي إلى الدول ولا الشركات بالمعنى التقليدي وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents).

هذه الكيانات الرقمية، القادرة على اتخاذ القرار والتنفيذ بشكل شبه مستقل، لا تمثل تطوراً في التقنية فقط، بل تعكس تحولاً في طبيعة الفعل الاقتصادي ذاته. فبينما كانت الأسواق تدار تاريخياً عبر تفاعل البشر والمؤسسات، نشهد اليوم بروز منظومات تعمل فيها الخوارزميات كوكلاء اقتصاديين، يتفاوضون، يحللون، وينفذون العمليات بسرعة تتجاوز القدرات البشرية.

إن ما يميز هذه المرحلة ليس مجرد الأتمتة، بل انتقال الذكاء من كونه أداة إلى كونه فاعلاً، وهنا يكمن التحول الاستراتيجي، فالمنظمات التي تدرك أن وكلاء الذكاء الاصطناعي ليسوا وسيلة لتحسين الإنتاجية فقط، بل أداة لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، ستكون الأقدر على إعادة تموضعها في النظام الاقتصادي الجديد.

في هذا السياق، يصبح السؤال الجوهري: من يمتلك القدرة على تصميم وتوجيه هذه الوكلاء؟ لأن التأثير لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الموارد أو رأس المال، بل بالقدرة على بناء منظومات رقمية متقدمة وإدارة تدفق المعرفة والبيانات بكفاءة. إننا أمام مفهوم أكثر توازناً يمكن وصفه بالتمكين الرقمي الاستراتيجي، حيث تتحدد المكانة الاقتصادية بمدى القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية وطنية واضحة.

المملكة -بفضل الله- في ظل رؤية 2030، تقدم نموذجاً لافتاً في هذا التحول، ولم يكن إعلان مجلس الوزراء تسمية هذا العام بعام الذكاء الاصطناعي مجرد خطوة رمزية، بل إشارة واضحة إلى مستوى الاهتمام بتسريع تبني هذه التقنية وتعزيز حضورها في مختلف القطاعات، فالمملكة لا تكتفي بتبني الحلول التقنية، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الاستثمار، وتطوير الكفاءات، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يرسخ موقعها ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة.

غير أن هذا التحول لا يخلو من تحديات، فمع تصاعد دور وكلاء الذكاء الاصطناعي، تبرز أسئلة حول الحوكمة، والمسؤولية، وحدود التدخل البشري، وكيف يمكن ضمان أن تعمل هذه الأنظمة ضمن أطر تتماشى مع المصالح المختلفة دون حدون أخطاء من وكلاء الذكاء الاصطناعي بإعداد معالجات قد لا تكون صحيحة بالضرورة وهو ما يطلق عليها بهلوسة الذكاء الاصطناعي.

إن التاريخ يعلمنا أن كل تحول في أدوات القوة يرافقه إعادة تعريف لموازينها، وكما أعادت الثورة الصناعية توزيع النفوذ بين الأمم، فإن التحول القائم على الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، ولكن هذه المرة عبر منظومات غير مرئية، تُدار بلغة البيانات والخوارزميات.

الخلاصة: لا يتعلق الأمر بوكلاء الذكاء الاصطناعي بحد ذاتهم، بل بما يمثلونه من تحول في طريقة التفكير، ومنهجية العمل، وصياغة المستقبل. إنها لحظة تتطلب وضوح الرؤية، واتساع الأفق، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، بحيث يصبح الاقتصاد الرقمي ليس مجرد مرحلة عابرة، بل مساراً مستداماً نحو قيمة أعمق ونمو أكثر رسوخاً.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة