اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

خاصية الوعي

خاصية الوعي

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

حاجة أهل عصرنا إلى الوعي الأمني والفكري مضاعفة؛ للتحديات التي تواجه ‏المجتمعات نتيجة تيسر وسائل التأثير، ولسهولة تزييف الحقائق ونشر الشائعات، وكل منا ‏يحتاج إلى وعي يقيه من التأثر بالمحتوى المضلّل، والمخالف للأنظمة والتعليمات، كما يحتاج ‏إلى وعي يكفّه عن ترويج ونشر ما يتضرّر المجتمع بنشره..

أكرم الله تعالى بني آدم بمزايا حسّيةٍ ومعنويةٍ كثيرةٍ، ومن أكبر المزايا المعنويّةِ التي أكرمهم ‏بها قابليّةُ الوعيِ، فجعل له من أدوات الفهم ما يعينه على إدراك المعارف، ويؤهله لاستنتاج ‏النتائج، واستلهام الدروس من تجاربه ومما يبلغه من أخبار الماضين، وبواسطة خاصيّة الوعي ‏يستطيع الإنسان -بتوفيق الله تعالى- أن يستفيدَ من آياتِ الله الشرعيَّة والكونيَّةِ، ‏ويستطيع أن يستفيدَ من الكائناتِ حوله التي خُلِقتْ لتنتفع بها البشريةُ، ويستطيع أن يميّز ‏بين المصالح فيسعى في تحصيلها، وبين المفاسد ليجتهد في اجتنابها، وأن يميّزَ بينَ الأخيار من ‏الناسِ والمؤتمنين فيصحبهم ويستفيد منهم، وبين الأشرار الضارّين فيبتعد عنهم، فإذا أهملها ‏الإنسانُ خسرَ الخصائص الإنسانيّة المعنويّة، وتسلطت عليه الأوهام وهوى النفسِ الأمّارةِ ‏بالسُّوءِ، فكانت أدواتُ التمييز عنده معطوبةً لا جدوى منها، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ‏‏(وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ‏وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ ‌كَالْأَنْعامِ ‌بَلْ ‌هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)، وباستخدام ‏خاصيّةِ الوعي-بعد التوفيق- تَميَّزَ جميعُ من وصفهم التاريخ بديانةٍ متينةٍ، أو معرفةٍ عميقةٍ، ‏أو سياسةٍ مثمرةٍ، أو ريادةٍ مشرقةٍ، وبالمقابل كلُّ ضالٍّ أو مُهمِلٍ فإنّما أُتِيَ من قِبل إهمال هذه ‏الخاصيّةِ، ولي مع استخدام خاصية الوعي وقفات:‏

الأولى: الدين في مقدمةِ ما يجب على الإنسانِ أن يتمتّع فيه بالوعي؛ فبه صلاح الدنيا ‏والآخرة، وقد تكفّل الله تعالى بتوعية المسلمين بأمور دينهم، وذلك في كتابه الكريم، وسنة ‏نبيّه صلى الله عليه وسلم المطهَّرةِ، فما حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلمَ حجةَ الوداعِ إلا وقد ‏أكمل الله تعالى لهذه الأمةِ بيانَ دينِه الحنيف، فمن الوعي في الدينِ أن يستصحب المسلمُ في ‏عباداتِه أنّه غنيٌّ عن أن يبتدع ما يظنّ أو يتوهّم أنه يتقرب به إلى ربِّه، ممّا لم يشرع الله تعالى، ‏ومن الوعي الدينيِّ أن يرجع المسلمُ في تفاصيل العباداتِ إلى أهل العلم المعتبرينَ الموثوقينَ، ‏المقصودينَ بقوله تعالى: (‌فَاسْأَلُوا ‌أَهْلَ ‌الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، وألا يُصغيَ إلى غيرِهم ‏ممن لم يتصف بصفتي الرسوخ في العلم والموثوقيَّة، ومن إهمال أدواتِ الوعيِ في الدينِ الركونُ ‏إلى أهل البدعِ من أهل الأهواء والجماعاتِ المتحزّبة؛ فإنَّ الركونَ إليهم تعطيلٌ لخاصيّة ‏الوعي، واغترارٌ بالزخرفِ من القولِ، وخروجٌ من سماحةِ الإسلام وتيسيرِه إلى التنطُّعِ والتعسيرِ، ‏والتزامٌ بلوازمَ فاسدةٍ كثيرةٍ؛ فما من بدعةٍ يستحدثها الناسُ إلا ويلزمُ منها تسفيهُ وتضليلُ السلفِ ‏أو بعضِهم، كما يلزمُ منها نسبة التقصير إليهم في الإدراك والعمل أو فيهما معاً، بل لسانُ ‏حالِ المبتدعِ يتطاول على مقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ مقتضى الابتداعِ الاستدراكُ ‏عليه في التبليغ؛ ولهذا قال الإمام مالك: (من ابتدع في الإسلام ‌بدعة يراها حسنة، فقد زعم ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌خان ‌الرسالةَ).‏

الثانية: تأتي بقيةُ الضرورياتِ (النفس، العقل، المال، العرض) تاليةً للدين في وجوب ‏استصحاب الوعيِ في مصالحِها؛ فالوعيُ في ذلك يُعينُ الإنسانَ على تحصيل المصالحِ العليا، ‏ويجنِّبُه الوقوع في المفاسدِ، ووسائلُ هذا الوعي منها قواعدُ عامّةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ، ومنها ‏تفاصيلُ لتلك القواعد تتجدّدُ وتتنوعُ بحسب الأوقات والأعراف، ومن القواعد العامةِ فيه ‏وحدةُ الصّفِ والسمع والطاعةُ لوليِّ الأمر، فهذه توعيةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للصحابةِ ‏حين طلبوا منه أن يعهدَ إليهم بشيءٍ يُعين على التحدياتِ الكبرى، فعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ‏رضي الله تعالى عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليهِ وسَلمَ مَوْعِظَةً, ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، ‏وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: ‏قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ ‏فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا ‏عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، حَيْثُمَا ‏قِيدَ انْقَادَ. أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني.‏

الثالثة: حاجة أهل عصرنا إلى الوعي الأمنيِّ والفكري مضاعَفةٌ؛ للتحدياتِ التي تواجه ‏المجتمعات نتيجة تيسر وسائل التأثيرِ، ولسهولة تزييف الحقائق ونشر الشائعات، وكلٌّ منا ‏يحتاج إلى وعيٍ يقيه من التأثرِ بالمحتوى المضلّل، والمخالف للأنظمة والتعليماتِ، كما يحتاج ‏إلى وعيٍ يكفُّه عن ترويج ونشرِ ما يتضرّرُ المجتمع بنشرِه، ومما يختصر الطريقَ في الوعي ‏الفكري والأمنيِّ معرفة الإنسانِ لأنظمة وقوانين البلد الذي هو فيه، وأنظمتنا في دولتنا المباركة ‏المملكة العربية السعودية -بحمد الله تعالى- كفيلةٌ بصيانةِ هذه الضرورياتِ، فعلينا الالتزام ‏بها، والوقوف عندها، ففي ذلك -بإذن الله تعالى- نجاةٌ من مكايد المتربصين بالناسِ الذي ‏يكيدون لهم للنيل من نفوسهم أو عقولهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ وهؤلاء المتربّصونَ نجدهم ‏حريصين على الإخلالِ بالنظام؛ لمعرفتهم بأنه عصمةٌ للمجتمع بإذن الله تعالى، وأنه الحصن ‏الذي إذا أوى إليه الفرد احتمى من شبكاتِ الجرائم الفكرية والأمنية والمالية وغيرها.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة