اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

الخليج بين فكّي الحرب.. التوازن النشط في صراع بلا خطوط حمراء

الخليج بين فكّي الحرب.. التوازن النشط في صراع بلا خطوط حمراء

klyoum.com

خالد بن علي المطرفي

الخيار الأكثر تعقيدًا والأكثر ضرورة لدول الخليج هو الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المتعارضة، وهذا التوازن يمثل اليوم الخيار العقلاني الوحيد في صراع لم يعد يعترف بالخطوط الحمراء، ولا بالجغرافيا ضمانًا للحياد، وفي ظل هذا الواقع تصبح القدرة على إدارة التعقيد هي المعيار الحقيقي لقوة الدول واستدامة استقرارها..

في اللحظة التي دخلت فيها الحرب طورها المتسارع، فإن المعادلات التقليدية لإدارة الأزمات الإقليمية لم تعد كافية لفهم ما يجري، إذ تحركت الولايات المتحدة الأميركية وفق ثلاثية واضحة تمثلت في حماية قواعدها العسكرية، وضبط إيقاع التصعيد بما يحفظ استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، والحفاظ على تماسك تحالفها الإقليمي، غير أن تسارع الرد الإيراني، وتوسّعه في استهدافات تتجاوز النطاقات التقليدية، أعاد تشكيل المشهد بشكل جوهري، دافعًا واشنطن إلى إعادة توزيع أدوار الحلفاء، وفي مقدمتهم دول الخليج التي وجدت نفسها في أتون ديناميات صراع لم تبدأ به، ولطالما حذرت من تبعاته وإرهاصاته العالمية.

في المقابل، لا يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي بمعزل عن هدف استراتيجي أوسع يتجاوز حدود المواجهة الحالية، ويتمثل ذلك في إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، عبر تفكيك النفوذ الإيراني وإنهاء قدراته العسكرية، سواء الصاروخية أو المرتبطة ببرامجه المتقدمة، فضلًا عن إنهاء المحاور التابعة له في لبنان والعراق واليمن، ويعكس هذا التوجه رؤية إسرائيلية تعتبر المرحلة الراهنة فرصة لإحداث تحول بنيوي في خريطة النفوذ بالشرق الأوسط، مستندة في ذلك إلى المظلة الأميركية كركيزة أساسية لضمان التفوق العملياتي والسياسي، لذلك، فإن أي تصعيد من جانبها يُقرأ كجزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الإقليم.

وبين هذين المسارين، الأميركي والإسرائيلي، تقف دول الخليج أمام معضلة استراتيجية مركبة، واختبار وجودي لقدرتها على إدارة التوازن في بيئة تتآكل فيها الخطوط الحمراء، فمن جهة، تسعى هذه الدول إلى حماية سيادتها الوطنية وأمنها الداخلي، وصيانة بنيتها التحتية الحيوية، خاصة في ظل استهدافات إيرانية طالت منشآت مدنية واقتصادية حساسة، ومن جهة أخرى، تحرص على الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والقوى الدولية، باعتبارها ركيزة للاستقرار الإقليمي وأداة ردع أساسية، وفي الوقت ذاته، تدرك بشكل عميق أن الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران سيحوّلها إلى ساحة صراع مفتوحة.

تكمن خطورة هذه المعادلة في طبيعة القراءات المتباينة لسلوك الدول الخليجية من قبل الأطراف الفاعلة، فأي انخراط عسكري، حتى وإن كان محدودًا أو ذا طابع دفاعي، قد يُفسَّر من قبل إيران كتصعيد مباشر يبرر توسيع دائرة الاستهداف، في ظل نمط ردود لا يبدو أنه يلتزم بسقوف تقليدية، وتضع هذه الازدواجية في التفسير الخليجي فيما يمكن وصفه بـ"المتاهة الاستراتيجية"، حيث لا توجد خيارات خالية من التكلفة، بل تتفاوت الخيارات في حجم المخاطر وتداعياتها، وهو ما يجعل إدارة الأزمة مناطة باتخاذ أي مواقف، وهندسة دقيقة للسلوك السياسي والعسكري، مع الأخذ في الاعتبار كيفية قراءته وتأويله من قبل الأطراف الأخرى.

في هذا السياق، يبرز مفهوم "التوازن النشط" كمقاربة أكثر واقعية من الحياد التقليدي، فدول الخليج لم تعد بفعل الصواريخ البالستية والمسيرات المتفجرة التي أطلقت على منصات الطاقة والأهداف المدنية، في موقع يسمح لها بالاكتفاء بسياسات النأي بالنفس، في ظل تشابك المصالح وتعقّد البيئة الأمنية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أيضًا الانخراط الكامل في مسارات تصعيد قد تخرج عن السيطرة، كما أن التوازن لا يعني الوقوف في المنتصف، بل القدرة على التحرك المرن بين الخيارات، بما يحقق الحد الأدنى من المصالح ويقلل من المخاطر، دون الانجرار إلى مسارات يحددها الآخرون، لذا، تتطلب إدارة هذا التوازن إعادة تعريف أدوات القوة، بحيث تشمل البعد العسكري، وأدوات الدبلوماسية الوقائية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وتفعيل القنوات متعددة الأطراف، بما يسهم في تخفيف حدة الاستقطاب.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذه المعادلة، إذ تمثل دول الخليج محورًا أساسيًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وأي اضطراب في أمنها سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الدولي، وهذا العامل تحديدًا يمنحها وزنًا استراتيجيًا، لكنه في الوقت ذاته يجعلها هدفًا لمن يسعى إلى رفع تكلفة الحرب أو إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية، ومن هنا، فإن حماية البنية التحتية للطاقة والممرات الحيوية هي في الأساس مسألة أمنية، وجزء من معادلة التوازن العالمي.

في المحصلة، تقف دول الخليج أمام تطورات مفصلية تعيد تعريف موقعها في الإقليم، وحدود دورها في منظومة الأمن الإقليمي، كما أن الانزلاق إلى الحرب يحمل كلفة غير مسبوقة، فإن الاستجابة الكاملة لأجندات الآخرين تعني أيضًا فقدان هامش القرار، فيما يبقى الخيار الأكثر تعقيدًا، والأكثر ضرورة، هو الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المتعارضة، وهذا التوازن يمثل اليوم الخيار العقلاني الوحيد في صراع لم يعد يعترف بالخطوط الحمراء، ولا بالجغرافيا ضمانًا للحياد، وفي ظل هذا الواقع، تصبح القدرة على إدارة التعقيد، هي المعيار الحقيقي لقوة الدول واستدامة استقرارها.. اللهم احفظ خليجنا، ودمتم بخير.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة