الانتِمَاءُ اللَّهَجِيُّ
klyoum.com
د. فهد إبراهيم البكر
الانتماء اللهجي فرع من فروع الانتماء اللغوي، ونعني به: ذلك الاعتزاز الذي يجده الإنسان في لغته التي يتواصل بها، ولهجته التي يتكلّم من خلالها، وهو ارتباط الشخص، أو المجموعة من الناس بلهجةٍ يتداولونها، ويتعارفون بها، وهذا الارتباط اللغوي يؤكد ما ذهب إليه أبو الفتح عثمان بن جنّي «392»هـ حينما عرّف اللغة بأنها: «أصوات يعبّر بها كل قومٍ عن أغراضهم»، كما يتفق هذا الارتباط مع إشارة ابن سنان الخفاجي «466»هـ إلى اللغة بأنها: «ما يتواضع عليه القوم من الكلام»، وما ذكره عالم اللغة الأميركي المعاصر «تشومسكي» عن اللغة بأنها: «ميل فطري لإنتاج وفهم جُمَلٍ نحويةٍ سليمة»، ومن هنا تصرّ أكثر التعريفات اللغوية على أن اللغة نظام مشترك بين البشر في تواصلهم، وأن هذا النظام التوافقي أمر يتأسس على فكرة الميل والانجذاب نحو هذا النظام، أو ما يمكن أن نصفه بـ»الانتماء اللغوي».
وتعدّ اللهجات داخل اللغة الواحدة شكلاً من أشكال هذا الانتماء اللغوي؛ فلكل لغةٍ قومها، ولكل قومٍ لهجاتهم التي تنطلق من تلك اللغة، ومن ثم فإن الاهتمام بهذا التحول اللهجي، والتواضع عليه، والانطلاق منه، هو ملمح مهم من ملامح الانتماء اللغوي الذي يوجد عند كثير من الناس، يعكس شيئاً من هويتهم: التاريخية، والجغرافية، والاجتماعية والثقافية، والنفسية، ونحوها. وعندئذ يصبح التواصل اللهجي أمراً أكثر ارتباطاً، وتسلسلاً، وتحولاً، فاللهجة تقتات على مجتمعاتها، فتنمو بتجارب الناس، وتعيش على أرضهم، وتكشف عن طبيعتهم، وتتطور بعاداتهم وثقافاتهم، حتى تصبح جزءًا منهم، ويصبحوا أثرًا من تشكّلها وتكوّنها.
إن اللهجة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل هي انتماء في المقام الأول؛ ذلك أنها تنطلق من بيئة معينة، وتولد في مجتمع محدد، وتدل على ناس يعرفون بها، وتعرف بهم، فتكون رابطاً بينهم، وأمرًا جامعاً لهم؛ ولهذا فإن اللهجات ذات أثر كبير في تعزيز الأواصر اللغوية والثقافية، وتوسيع دائرة التقارب اللغوي للمجتمع الواحد، وإن التخلي عنها، أو محاولة تغييرها، أثر غير جيد؛ لأنه يخلّ بالنظام اللغوي الممتد عبر جذور تاريخية، كما أنه يؤثر في موضوع الهوية اللغوية، وثقافة اللهجة، وقد يُفقِد اللغة شيئاً من تاريخها؛ ولهذا نحن نرى إرثاً عظيماً في لهجاتنا المحلية الممتدة من أشرف اللغات «اللغة العربية»، وأكثر لهجاتنا السعودية اليوم هي امتداد أصيل للغة العربية الفصحى، في كثير من ألفاظها، وأساليبها، وعباراتها، وتراكيبها.
ولقد عجبتُ من بعضهم حين عاب على آخرٍ خَاَلفَ لهجتَه، فقال العائب للمعيب: «ماذا تقصد بهذا اللفظ؟ نحن لا نقول هذا في لهجتنا!»، فقلتُ له: «لماذا تنكر عليه؟ هذه لهجته، ولكل قوم لهجتهم»، ثم قلت له: «إن أهل اللغة أنفسهم يتوقفون عند هذه الاختلافات اللهجية»، وضربتُ له مثالاً من كتب اللغة، ذكره أبو زيد الانصاري «215»هـ، وهو لغوي من أئمة الأدب، عندما قال: «أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر، فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا». ثم قلتُ له: هذا مثالٌ في تفاصيلَ دقيقةٍ في الاختلاف اللهجي، فما بالك بألفاظ واستعمالات أُخَر؟!
إننا حين ننتمي للهجاتنا، نعتزّ بها، ونقوّي من شأنها، ونحافظ على جذورها، ونجعلها أكثر امتدادًا وتماسكاً، ومن ثم نشارك في رفع مستوى الوعي بالهوية اللغوية، وتعزيز مكانة اللهجات، وفي ذلك حيوية اللغة الأم، واتساع أفقها، وتطاول أثرها، وجعلها أكثر تجدداً ومرونة، وكذلك أكثر مواكبةً لظروف العصر المتنوعة.