النمو والتطور.. مقاربات ورؤى فلسفية
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع: اعتراض وتدمير مسيرة في المنطقة الشرقيةجدة - عاصم عبد الفتاح
يصور أحد دواهي العرب الأربعة وهو "عمرو بن العاص" فلسفة النمو والتطور، على أنها وجه من أوجه الفروسية، لأن ترك منطقتي الأمان والراحة من أصناف الشجاعة، وذلك حينما يتحدى الإنسان ذاته، ويواجه مخاوفه، ويبدد شكوكه وتردده في نفسه، ويترك الموضع الذي اعتادت قدماه على الثبات به.
فيقول: "عليكم بأمر كل مزلقةٍ مهلِكة" أي عليكم بخوض الأمور الصعبة والوثب إلى التجارب الجسيمة.
فهو يرى أنها المعلم الأبرز والصائغ الأفضل للمهارة والمعرفة مما يفضي إلى النمو والتطور. والحقيقة أن هذا الأسلوب وهو أسلوب "التعرض المباشر" قد أُنشئت له فلسفة منفصلة بحد ذاتها تدعى "الفلسفة الإمبريقية" التي تتخذ من الحواس والتأمل ركنين أساسيين في تكوينها، وتعتبر أن التعرض للتجربة المباشرة أساس للمعرفة (من خلال الحواس)، يداً بيد مع التأمل في انعكاسات التجربة (من خلال التفكّر والتحليل والتغذية الراجعة).
وينتشر في الثقافة الأمريكية قولٌ مفاده: "Exposure is the Mother of Experience"
أي أن الاحتكاك المباشر بالواقع هو الذي يلد الخبرة، ويصوغ الفهم، وينضج الإدراك. ويخيل إليَّ أن هذا ما رمى إليه أرطبون العرب عمرو - رضي الله عنه-.
والجدير أن نلفت الانتباه إلى أن اقتحام المصاعب أمرٌ محمود نسبياً، لأنه يُنمّي الإنسان ويطوّره؛ لكن في الوقت ذاته يجب أن يكون الإنسان واعيًا بحدود عقله، واثق الخطى في خضم الصعوبات، حيويًا لا كسولًا، مقدامًا لا متهوّرًا، متقبلاً للنقد البناء لا معرضاً عنه، والأهم ألا يستكين بعد أن تطأ قدماه غمار التجربة حتى يكتمل نموه.
وعن عقلية النمو "Growth Mindset" تُطل علينا عالمة النفس كارول دويك حين اعتبرت أن عقلية النمو تكمن في إيمان المرء بقدراته وذكائه ومهاراته بالتحسن أولاً، ثم من خلال تقبل الفشل.. وخوض التحديات والتعلم من أخطائها وانعكاساتها ثانياً. على نقيض العقلية الثابتة "Fixed Mindset" والتي تركن إلى الجمود والتقوقع والخوف من التغيير والفشل. لذا كان الخوف، على اختلاف صوره، أعظم ما يعترض مسيرة النمو ويكبح ارتقاء الإنسان.
ويعتبر الفيلسوف أرسطو من خلال فلسفة الغائية "Teleology" أن هناك غاية تدفع جميع الكائنات إلى تحقيق أهداف معينة طالما وجدت لها الحياة، وذلك ما يفسر تطور المخلوقات عبر ملايين السنين بتكيفها مع بيئاتها والحفاظ على نوعيتها، وبالأخص يفسر سلوك البشر وما وصلوا إليه من تطور ونمو علمي وتقني في شؤون الحياة المختلفة، وهما بدورهما يحققان ما أطلق عليه أرسطو "Eudaimonia" وهي "السعادة الحقيقية" أو "الازدهار الإنساني". فيتجلى أن النمو والتطور أمران لا مناص منهما من أجل البقاء أولاً ثم لأجل حياة أفضل، وقدرات أكبر، وفرص أوسع، والأهم من ذلك ملامسة أهداب السعادة والوصول إليها.
وفي القريحة الأدبية الفلسفية يصوّر المتنبي مفهوم النمو والتطوّر من خلال قوله:
كلَّما أنبتَ الزمانُ قناةً
ركّبَ المرءُ في القناةِ سِنانَا
حيث يجسّد هذا البيت التكيف مع صعوبات الحياة وتحدّياتها. فـ"القناة" ترمز مجازًا إلى الرماح أو العقبات التي تنبت في طريق الإنسان مع تعاقب الأيام، بينما يشير "السِّنان" إلى رأس الرمح الذي يُثبّت والذي يرمز إلى "التسلح بالمهارات". وينطوي المعنى العميق على أن الإنسان كلما واجه تحديًا جديدًا، سلّح ذاته بمهارات أقوى لمجابهته. وفي ذلك تصوير لقدرة الإنسان على التكيّف مع التحولات والارتقاء من خلالها، حتى يغدو التحدي ذاته أداةً للنمو. وهكذا يظل النمو والتطوّر رحلتي وعي وتغيير، ومن أدرك أن التحوّل سنّة الحياة، أدرك أن السير في دروب المشقة، هو الطريق الأقصر نحو نمو الإنسان وازدهاره.
لحظة ختام: النمو في حد ذاته يحمل بذرة السعادة. - بيرل باك - "كاتبة أمريكية".