التهجين والتطوّر
klyoum.com
د. مشاري النعيم
إن الأشكال الجديدة التي تولد من الجذور تبقى محدودة، لأنها تحتاج إلى ظروف استثنائية تسمح بظهور شيء لم يكن موجودًا من قبل.. أما التطوّر الحقيقي، فيحدث حين تتفاعل الأشكال القائمة مع بعضها، وحين يعيد العقل تركيبها بطريقة جديدة..
لا أنكر أبدا أنني مهتم بنشأة وتطور الاشكال بشكل عام والمعمارية بشكل خاص، حتى أن بعضا من طلاب الدكتوراه كنت أشرف عليهم ركزت دراساتهم على اسباب وجود الاختلافات في اللغة المعمارية التاريخية في مناطق المملكة المختلفة. ورغم صعوبة الوصول إلى اصول تلك اللغات البصرية المتباينة، كون دراسة الاصول مرتبطة في الاساس بآلية "التهجين" إذ لا يوجد اصول نقية يمكن أن نقول إنها تحمل الحمض النووي الاساسي للأشكال الاصيلة، وهو ما يستدعي تتبع السلالات الهجينة لتلك الاشكال التي قد توصلنا الى البدايات وان كان هذا التتبع تكتنفه تحديات كثيرة.
دعوني أقول إن هذه المنهجية المهمة لتفسير التاريخ للعودة إلى البدايات وفهم المسارات التي تطورت خلالها تلك البدايات تعتبر أحد المنهجيات الاساسية لفهم تطور "كل شيء" وهو عنوان الكتاب الذي وضعه عالم الحيوان البريطاني "مات ريدلي" عام 2015م، وهو كتاب يحمل عنوانا فرعيا هو: كيف نشأت الافكار؟ يتساءل الكاتب عن الاسباب التي جعلت البشر في حالة سكون لآلاف السنين دون تطور يذكر، ولماذا فجأة بدأ التطور وبشكل سريع؟ ويجيب على هذا السؤال بأن تبادل الافكار وتهجينها هو السبب.
هذا الانشغال بفكرة التهجين ليس مجرد اهتمام أكاديمي، بل هو محاولة لفهم آلية التطوّر نفسها، لأن الأشكال، سواء كانت معمارية أو فكرية، لا تولد نقية، ولا تعيش نقية، بل تتشكل عبر سلسلة طويلة من التداخلات والتأثيرات المتبادلة. فالتاريخ لا يقدم لنا نسخاً أصلية يمكن الإمساك بها، بل يقدم طبقات متراكمة من التحولات التي يصعب فصلها عن بعضها، تماماً كما يصعب فصل الجينات بعد آلاف السنين من التهجين الطبيعي. ولهذا يصبح البحث عن "الأصل" في العمارة أقرب إلى البحث عن لحظة التقاء، لا عن نقطة بداية. فالأشكال التي نراها اليوم ليست مجرد نتاج بيئة محلية، بل نتاج مسارات طويلة من التفاعل بين المناخ والاقتصاد والحركة البشرية والخيال الجمعي.
يحيل "ريدلي" التطور الى عملية التهجين التي تخلق افكارا جديدة تتطور بعدها سلسلة جديدة من تهجين التهجين تخلق سلالات جديدة من الافكار. من خلال مراجعتي لموضوع التطور وجدت مجموعة من الكتب المهمة تتحدث تقريبا عن نفس الفكرة أحدها بعنوان "تطوّر كل شيء: كيف يتم اختيار اشكال الثقافة والتجارة والطبيعة، لـ"مارك سمنر" عام 2010م، وكتاب آخر بعنوان "تطور كل شيء: الانماط والاسباب للتاريخ الكبير" لـ"براين فلموار"، وكلها تتناول عملية التطور كعملية محورية اساسية للتوليد الحضاري بما في ذلك تطور العلوم. تنبع الفكرة في الاساس من أن الله وهب الانسان العقل، وهو المحرك الاساس، ووهبه فطرة التعايش والتعارف "لتعارفوا" مع الآخر وهي فطرة اساسية توظف ما يتميز به العقل من القدرة على الابتكار وتحويله الى معرفة تراكمية توليدية.
هذا الربط بين التهجين والتطوّر يفتح باباً لفهم كيف تتولد الأفكار وكيف تنتقل من جيل إلى آخر. فريدلي وسمنر وفلموار، رغم اختلاف تخصصاتهم، يشتركون في فكرة مركزية: أن التطوّر ليس حدثاً مفاجئاً، بل عملية تراكمية تعتمد على قدرة الإنسان على دمج ما يعرفه بما يكتشفه، وعلى تحويل هذا الدمج إلى معرفة جديدة تحمل شيئاً من الأصل وشيئاً من الابتكار. الأفكار التي تبقى ليست الأقوى، بل الأكثر قدرة على التهجين، والأكثر قابلية للاندماج في منظومات معرفية جديدة. وهذا ما يجعل التطوّر الحضاري شبيهاً بالتطوّر البيولوجي: كلاهما يعتمد على التنوّع والتفاعل وتوليد سلالات جديدة من المعاني.
لكن هناك كتاب مهم وقديم قرأته في مطلع التسعينات بعنوان "تطور الاشياء النفعية" لـ"هنري بتروسكي" عام 1992م. في الحقيقة توجه الكتاب مختلف الى حد كبير رغم أنه يضع عملية التطوّر كعملية محورية لكنه هنا يرى أن الوظيفة المرتبطة بطبيعة الانسان الفسيولوجية هي التي تصنع الوظائف التي بدورها تخلق الاشكال وتحدد مقاسات الاشياء.
بالنسبة لي ارى أن هذا الكتاب يتحدث عن نشأة الاشكال الاولية التي تمر بعد ذلك بسلسلة متعددة من التهجين والتوليد التي تصنع عملية التطور الاساسية. من الواضح أن طبيعة البشر هي ابتكار الاشياء نتيجة لوجود العقل الخلّاق وهذا يتطلب باستمرار القدرة على توليد الجديد الذي غالبا ينشأ من تهجين الاشكال القائمة لكن هذا لا يعني عدم ولادة اشكال جديدة من الجدور لكن عادة ما تكون هذه الاشكال محدودة.
ما يقدمه بتروسكي يعيد التوازن إلى النقاش، لأنه يذكّر بأن الشكل لا يولد من الفكرة وحدها، بل من الوظيفة التي يفرضها الجسد الإنساني، ومن الحاجة التي يخلقها الاستخدام اليومي. فالأشياء النفعية ليست نتاج تهجين معرفي فقط، بل نتاج علاقة مباشرة بين الإنسان وبيئته، بين اليد وما تمسكه، وبين الحركة وما يتطلبه الفضاء. الوظيفة تخلق الشكل الأولي، ثم يأتي التهجين ليعيد تشكيل هذا الأصل ويضيف إليه طبقات جديدة من المعاني والاستخدامات. وهذا ينسجم مع تاريخ العمارة: فالأشكال الأولى كانت استجابة مباشرة للمناخ والمواد والحاجة إلى الحماية، ثم جاءت القرون التالية لتضيف طبقات من الرمزية والجماليات والتقنيات.
إن ما يلفت النظر في طرح بتروسكي هو أنه يعيدنا إلى نقطة البداية التي كثيراً ما نتجاوزها ونحن نبحث عن “الأصل”. فالأصل ليس فكرة مجردة، بل حاجة إنسانية. وهذه الحاجة تخلق الشكل الأولي، الذي يصبح لاحقاً مادة خام لعمليات التهجين التي تصنع التطوّر. ولهذا فإن الأشكال الجديدة التي تولد من الجذور تبقى محدودة، لأنها تحتاج إلى ظروف استثنائية تسمح بظهور شيء لم يكن موجوداً من قبل.. أما التطوّر الحقيقي، فيحدث حين تتفاعل الأشكال القائمة مع بعضها، وحين يعيد العقل تركيبها بطريقة جديدة.