اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

إعادة التفكير في الهوية السعودية

إعادة التفكير في الهوية السعودية

klyoum.com

د. مشاري النعيم

مازال الكثير منا عالقاً في الماضي ولا يريد تجاوزه لأنه يعتقد أنه الشيء الوحيد الذي نملكه كي يُعبّر عن اختلافنا عن الآخر.. لا أحد يريد أن يسأل نفسه عن هوية الحاضر التي تُمثّلنا حقيقة، ولا أحد يريد أن يقف لحظة كي يفكر فيما تبقى داخلنا من ذلك الماضي الذي يعتقد أنه يصنع "مُركّب الهوية"..

تعيش المجتمعات ديمومة التأرجح بين الثابت المؤقت وبين المُتغيّر الدائم، حتى أنه يمكننا القول إن "الثابت هو التغيير" مع وجود عوالق مترسبة، البعض يسميها جذورا والبعض الآخر يطلق عليها "خيوط التقاليد" التي تكون قد اختلطت بالحمض النووي لمنطقة ما ويصعب محوها، لكنها، ونقصد هنا الجذور وخيوط التقاليد، هي مكونات لخلق التوازنات وليس لتثبيت الهوية.

نحن ندّعي هنا أن الأصل في الهوية هو "التغيير" وليس الثبات، فلا يوجد ما يسمى "هوية دائمة" يمكن أن نطلقها على مجتمع ما، لكن يمكن أن نقول إن هذا المجتمع لا يزال يحتفظ ببذور حمضه النووي أو الأكثر تأثيرا وثباتا من تلك البذور. هذا ما يجعلني أفكر في الأسئلة التي عادة ما تُطرح علي حول الهوية على أنها أسئلة لا جدوى منها، فلو سألني أحد ما عن هوية المجتمع السعودي قبل خمس سنوات لكانت إجابتي مختلفة، طبعا بعد تحديد سياق الهوية، لأنه يوجد سياقات متعددة مادية وثقافية، بصرية ولفظية وكتابية وسمعية، وجميعها يمكن أن تشكل "مُركّب الهوية" الذي يمكن وصفه على أنه مُركب يحتوي الكثير من المتغيرات لكن بينها عناصر تنتمي إلى الثابت المرتبط بالحمض النووي للمجتمع، وربما هذا الثابت الذي يُمثّل أقلية واضحة يجعل البعض يعتقد أن مركب الهوية برمته يجب أن يكون ثابتا.

دعيت قبل أيام قليلة لأكون ضيفا على لقاء ثقافي عنوانه "شتاء الديرة" يعقد في مجمع المعيقلية وسط الرياض، ومن المسمى توقعت أن الأسئلة ستكون حول "التاريخ"، وكان ما توقعته صحيحا، فالحضور كان يتوق إلى تعريف الهوية لكن من منظور تاريخي، فما زال الكثير عالقا في الماضي ولا يريد أن يتجاوز ذلك الماضي الذي يعتقد أنه الشيء الوحيد الذي نملكه كي يُعبّر عن اختلافنا عن الآخر. لا أحد يريد أن يسأل نفسه عن هوية الحاضر التي تُمثّلنا حقيقة، ولا أحد يريد أن يقف لحظة كي يفكر فيما تبقى داخلنا من ذلك الماضي الذي يعتقد أنه يصنع "مُركّب الهوية". ربما لأن الحاضر أصبح واسعا ومعقدا ومشتتا، لذلك التشبث بالماضي يشبه المرسى الذي يعطيه إحساسا بالأمان وهو يرى أمواج البحر تتلاطم أمامه. لكن هذا لا يعني أنه يقف في المكان الآمن الصحيح فقد تغرقه الأمواج التي حاول أن يُنقذ نفسه منها لأنه لم يجربها ولم يعشها ولم يفهمها.

هويتنا المعاصرة تكمُن في تلك الأمواج التي نخاف منها والمرسى الذي يلوح لنا ونحاول أن نتشبث به هو جزء من هذه المنظومة لكننا لا نستطيع العيش طويلا على الشاطئ دون أن نخوض البحر. هذا ما يجعل الحديث حول هوية المجتمع السعودي حديثا نسبيا فهل نحن نتحدث عن "المرسى" أم عن "البحر" أم يجب علينا أن نتحدث عن كليهما؟

رغم محاولتي التفلّت من وضع تعريف محدد للهوية، إلا أن الحضور يميل دائما إلى التفكير في الثابت الذي يستطيع أن يستوعبه، لا المُجرّد الذي يراه مجرد تنظير يصعب فهمه. الهوية بالنسبة له تعني "الاختلاف" وكل ما يجعلنا نختلف عن الآخر هو جزء من هويتنا، وقد يُضيف عليها بعض العادات والتقاليد التي تتميز بها بعض المناطق ومجتمعاتها المحلية، وبالتأكيد يربطها بمنتجات تلك المناطق المادية وغير المادية، خصوصا المعمارية، لكنه في نفس الوقت يعيش حياة مختلفة عما يدّعي أنه يعكس "مُركّب الهوية"، فما يقوله عاطفيا لا يعبر عن واقع حياته، فهو يتحدث عن المرسى بينما هو في الواقع يعيش في البحر وسط الأمواج المتلاطمة. لكن عندما نُفكّر في وجهة النظر بأن الهوية تعني الاختلاف نجد أنها وجهة نظر صحيحة، فما الذي يجعل المجتمع السعودي رغم كل ما مر به من متغيرات وتحولات لا يزال مختلفا عن الآخر؟ هل هي بذور الحمض النووي التي تجعل من جيناته الثقافية، حتى لو اقتحمت أسوار الحياة المتمدنة المتحررة من أغلب خيوط التقاليد، لا تزال متماسكة وقوية وتطبع هذا المجتمع بطابعها؟ يصعب الجزم بهذا، لكن السعوديين كانوا يحملون هذه الثنائية منذ أن جربوا الانفتاح على العالم الحديث فقد كانوا يرغبون دائما أن يكونوا تقليديين وحداثيين في آن واحد، كما وصفهم أحد الرحالة الأوربيين في الستينات من القرن العشرين.

في جلسة "شتاء الديرة" كنت أفكر في كيف ينظر لنا الآخر أكثر من كيف ننظر لأنفسنا، فذلك الآخر يريد أن يربطنا بمرساة من صناعته وتصوره، فقد بنى عبر عقود صورة ذهنية لا يريد أن يغيرها لشيء ما في نفسه، فهو لا يرغب في أن يرى السعوديين، الذين طالما وصفهم بالعيش في العتمة، أن يغمرهم النّور، ولا يرغب في أن يتحرروا من المرسى الذي ربطهم في مكانهم وهم يرون غيرهم يخوض البحر. الآخر يرانا مجتمعا ساكنا، وهذه الرؤية تُعبّر عن رغبته لا عن واقعنا، لكن بعضنا يريد أن يعود دائما إلى الهوية الساكنة كمرساة نجاة له، لأنه لا يريد أن يكون جزءا من العالم المعاصر. لقد انتهى حديثي معهم بأنني لا أستطيع أن اضع تعريفا للهوية لأنه من المصطلحات "السائلة" التي يصعب تحديدها بدقة فما بالكم بوضع أطار محدد لهوية المجتمع السعودي الذي يتغير كل يوم، وهذه ليست مبالغة، فما يكتسبه المجتمع من تجارب وما يخوضه من تحديات وما يضع له ولاة الأمر من رؤى هي التي تحدد هويته الغالبة مع بقاء حمضه النووي الذي يعطيه نكهة خاصة ويجعله مختلفا عن الآخر.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة