اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

الشيوعيّة المُمتنعة!

الشيوعيّة المُمتنعة!

klyoum.com

د. سوسن العتيبي

هل يمكن للشيوعية أن تحارب الطبقة العماليّة؟ هذا سؤال يقدّم بين يدي اختبار عمليّ للنظريات والمفاهيم العامّة عند إسقاطها على مجتمعات لم تنتجها. فهل يمكن ترسية مفاهيم الماركسيّة -المنظّر للشيوعية- على كل الأمم؟ أمّ أن الواقع الاجتماعيّ عصيّ على قبولها؟ وقد يفضي لمقاتلة الشيوعية للطبقة العمالية في بلد لا تتشكل فيه البنية التي تُنتج هذه الطبقة؟

لقد قدّمت الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي نموذجاً على أوهام النظر الفكري الغربي، في شكليه الرأسمالي والماركسيّ. فالواقع العملي يكشف لا صلاحية المفاهيم المستوردة أكثر مما يقدر على رؤيته وفحصه المنظّرون. ولقد عاصر الاحتلال الفرنسي للجزائر طبقة شيوعية فرنسية، وطبقة مقلّده جزائرية، في حين الطبقة -إن صحّ الوصف- التي تقاتل الاستعمار هي طبقة فلاحين وعمّال ثاروا لتحرير بلادهم، وقاوموا الفكر الغربيّ والشيوعي منه خاصّة، فهم الذين قادوا الحلّ الثوري لا الماركسية. بل تواطئ عدد من المنظرين للسرديات الكبرى للشيوعية في نفي التعددية، وتغليب الأيديولوجيا الإقصائية لصالح أيديولوجيا الماركسية.

في أطروحته «من أين جاءت ما بعد البنيوية؟» يقدّم عمر أزراج رؤية لما بعد البنيوية، لا على تخوم النقد الغربي الغربي، وإنما كيف أثّر المُستَعْمَر في المُستَعْمِر تأثيراً غير نظرياته وسردياته الكبرى، وكيف ساهمت الحالة الجزائرية-التونسية والمغاربية عامّة في تغيير رؤية عددٍ من المنظرين ما بعد البنيويين، والمتقاطعين مع ما بعد الحداثة، والتي تركّز على «السرديات الكبرى الغربية» ونقضها. ولقد كانت حالة الماركسية من أدقّ الحالات السردية التي نُقضت عند خروجها للواقع الجزائريّ، يقول أزراج: «إن عدم معقولية الحلّ الطبقي الذي قدّمه الشيوعيّون يمكن إظهاره في نظرياتهم التي تستبعد القيم غير الغربية والخصوصيات الثقافية، كما أنَّ فكرة الماركسية عن الطبقات قد وُضعت موضع التحدّي من قِبل المناهضين الراديكاليين للاستعمار في فرنسا، وذلك على أساس أن الجزائر لم يكن لديها بُنى مشابهة لواقع المجتمع الفرنسي في فضاء فرنسا تتضمّن الطبقة العاملة؛ حيث إنّ معظم الشعب الجزائري كان عبارة عن فلاحين منقسمين، وعمال متمسكين بالدين الإسلامي الذي كان معادياً للشيوعية وأشكالها ومعتقداتها. وقد ربط الجزائريون المسلمون الشيوعية الفرنسية دائما بالإلحاد، فالحزب الشيوعي الفرنسي ومعه الحكومة الفرنسية، على سبيل المثال، قد رفضا مطلب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين... لتطبيق العلمانية في الجزائر على أساس فصل الدين الإسلاميّ عن الإدارة الفرنسية كما كان الحال في فرنسا.

ويُظهر هذا استعمال معايير مزدوجة في التنظير الشيوعيّ للماركسية عندما تعلّق الأمر بالشعوب المستعمَرة. إنّ المشكلة الرئيسة تكمن في الاستعمال الكولونياليّ لمفهوم «الطبقة» كنموذج مستورد من مجتمع مختلف وجاهز أيضاً مسبقاً وفرضه كآلية لتحليل واقع مختلف تماماً، ثم غضّ الطرف جراء ذلك عن الحقائق الكولونيالية، ومن ثم فرض هذا المفهوم تعسفاً للتنبؤ بمستقبل الجزائر. وتفيد الدراسات التاريخية المتداولة أن النواحي السياسية المشتركة بين الشيوعيين الفرنسيين والأحزاب الاشتراكيةّ قد كانت تشدد على الإدماج الكامل للجزائر ونفي استقلالها!».

أمّا على صعيد تغيير فكر المنظّرين الكبار، فقد غيّر «جان فرانسوا ليوتار» نظرته للسرديات الكبرى، والماركسية منها خاصّة، عندما عاين الواقع الجزائري من الداخل، منخرطاً في مقاومة الاستعمار من الجزائر. والذي يهمنا هنا من التنظير الفكري هو: تبيينه استحالة «تعميم مفهوم الطبقة»، يقول أزراج: «وتفكيك لمفهوم الطبقة الماركسي التقليدي الذي يسقط على مجتمعات مستعمرة ليس بها بنيات برجوازية ذاتية وغير مؤسسة على الطبقية بالمعنى البرجوازي». ويضيف: «نقد ليوتار للسرديات الكبرى هو نقد للافتراضات الماركسية التقليدية التعسفية والمسبقة ونماذجها عند الحداثيين، مثل الموقف الماركسي التقليدي الذي اعتبر أنّ الجزائر المستعمَرة تمتلك طبقة بروليتاريا».

ولم يكن نقد سرديات «الماركسية الغربية» بسبب واقع الحالة الجزائرية خاصة لدى ليوتار فقط، بل وجد عند فوكو وسيسكو ويونغ وغيرهم، ونبذ كل وعود الماركسية الوهمية بالتحرر والحرية وحقوق الإنسان.

هذا الطرح الذي يشدد على اختبار المفاهيم قبل استعمالها أدواتٍ لفهم المجتمعات، والأنكى تسخيرها لتغيير المجتمعات كرهاً؛ طرح ينبغي أن يحتذى به ويدرّس ليكشف الحُجب التي يقدّمها التنظير والعلم بعيداً عن الواقع، وأنّ المفاهيم الغربية التي نشأت في بيئة مغايرة عن البيئات المدروسة قد تؤدي إلى خلق مشكلات وتمزقات في المجتمعات، وتحدّ من سبل تعافيها ونهوضها. فنفي التعددية ليس مجرد مقولة تُرفع، بل هي مناهج عميقة تعمي الإنسان طويلاً باسم العلم عن معرفة ذاته، وما يصلح له، وما يزيد من تفاقم مشكلاته، في سعيه للإسقاطات الثقافية!

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة