اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

تجليات بناء اللوحة

تجليات بناء اللوحة

klyoum.com

أحمد الغنام

لا يقتصر العمل الفني الأصيل على مجرد قالب مادي أو شكل ظاهري عابر، بل يمتد جوهرُه ليلامس سحر اللون والضوء بأدوارهما الثلاثة الحاسمة التي تصنع عمق التجربة البصرية وتمنحها فرادتها؛ فهناك الدور التعبيري الذي يخاطب الوجدان مباشرة ليثير في النفس مشاعر حية ومتدفقة كالفرح، والحزن، والسكينة، وهناك الدور الرمزي الذي يحفز الخيال ويستدعي الذكريات الدفينة في اللاشعور الإنساني، وأخيراً، يأتي الدور البنيوي الذي يؤسس لسطح اللوحة معمارياً بتناغم وتنسيق متزن، كما أشار بوعي عمق الفنان العظيم سيزان حين نظر إلى اللوحة كبناء هندسي وشعوري متكامل.

من جماليات المحاكاة إلى عمق الفكر والوجود

إن العمل الفني الحقيقي لا يقف عند حدود الإبهار البصري المجرّد، بل يمثل وثيقة تاريخية ناطقة وجسراً متيناً يربط بين قلب الفنان وعقله وقلب المشاهد، ومع تسارع وتيرة تطور الفنون الحديثة والمعاصرة، تجاوزت الصورة مفاهيمها التقليدية الضيقة لتتحول إلى فكر عميق، وموقف واعٍ، وحدث متكامل يعكس نبض الواقع بكل تعقيداته وثراء تجربته الإنسانية، متجاوزاً حدود الظاهر إلى آفاق أوسع.

الرمز والفكر: جدلية التعبير

في صياغة التجربة البصرية

في قلب هذا المخاض المعاصِر، يتجلّى التساؤل حول المحرك الأساسي للقيمة الفنية؛ هل تكمن القوة في رمزيتها المؤثرة أم في أبعادها الفكرية العميقة؟

الرمزية البصرية: تعمل كجسر حسّي يلامس الوجدان ويحفز الخيال الفردي والجماعي، مستندة إلى مخزون ثقافي ووجداني مشترك، أما الأبعاد الفكرية: تمثل العمود الفقري الذي يحوّل التجربة من مجرد إثارة بصرية إلى خطاب فلسفي واعٍ وموقف إنساني متكامل.

ختاماً..»الفن لا يقلد المرئي، بل يجعلنا نرى ما هو أبعد منه « في ضوء هذه الرؤية الفلسفية، يتبين أن الرمز والفكر ليسا تيارين متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ فالرمز يمنح الفكرة جسدها الحسي الملموس، بينما يمنح الفكر الرمز روحه وعمقه الدلالي، ليظل العمل الفني المعاصر وثيقة حية وموقفاً واعياً يعكس تعقيدات الواقع ونبض الوجود الإنساني في أعمق تجلياته.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة