قراءة في رسائل الرياض تجاه التصعيد الإيراني
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
مع استمرار الهجمات الإيرانية.. نظرة على ما يحدث في الخليج الإثنينخالد بن علي المطرفي
رسائل الرياض تمثل تحولًا من حيث "سياسة إعادة التشكيل"، فالهدف يتجاوز احتواء السلوك الإيراني، إلى إعادة رسم حدود النظام الإقليمي بطريقة تفرض قواعد جديدة للعبة، وتقوم هذه القواعد على مزيج من الشرعية القانونية، والتماسك السياسي، والقدرة على الرد، والانفتاح المشروط على الدبلوماسية..
علينا أن نُقر أن اللحظة الإقليمية التي نعيشها بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية تجاه إيران، مشحونة بالتوتر، فتصريحات وزير خارجيتنا الأمير فيصل بن فرحان، على هامش الاجتماع الوزاري التشاوري للدول العربية والإسلامية في الرياض، ليست موقفًا سياسيًا، وهي أقرب إلى إعادة صياغة متكاملة لقواعد الاشتباك في المنطقة، وتعكس انتقالًا نوعيًا في إدارة التوازنات، وبناء معادلة ردع متعددة الأطراف.
أول ما يلفت الانتباه في هذه التصريحات هو نزع الغطاء عن "وهم محدودية الرد"، حين يؤكد وزير الخارجية أن حسابات إيران خاطئة إذا اعتقدت أن دول الخليج لا تستطيع الرد، والرسالة هنا لا تستهدف طهران وحدها، بل تمتد إلى الفضاء الدولي بأسره، وهو بذلك يُعيد تعريف القدرة العسكرية، ويُعيد أيضًا تعريف الإرادة السياسية، فالمعادلة التي لطالما راهنت على ضبط النفس الخليجي كنقطة ضعف، يجري تفكيكها وإعادة تركيبها باعتبارها خيارًا استراتيجيًا مشروطًا، وليس عجزًا.
البيان المشترك بدوره، هو بمثابة وثيقة سياسية تؤسس لمرحلة جديدة، فمشاركة هذا الطيف الواسع من الدول، من الخليج إلى تركيا وباكستان وأذربيجان، تعكس أن المسألة ليست خلافًا ثنائيًا أو حتى إقليميًا ضيقًا، بل تحوّلت إلى قضية أمن جماعي عابر للحدود، وهذا بحد ذاته يحمل دلالة عميقة، وهو أن سلوك إيران أصبح يُقرأ في سياق تهديد منظومي يطال استقرار شبكة واسعة من الدول.
ومن الزاوية القانونية، يبرز استدعاء المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة كعنصر محوري في البيان، وهذا الاستدعاء رسالة مزدوجة، من عدة جوانب، أولًا، تأكيد شرعية أي رد محتمل ضمن إطار القانون الدولي، وثانيًا، نقل النقاش من حيز الاتهامات السياسية إلى حيز الشرعية القانونية، بمعنى آخر، يتم هنا بناء "غطاء قانوني مسبق" لأي تصعيد دفاعي، وهو ما يعكس احترافية عالية في إدارة المشهد الدبلوماسي.
لكن الأهم من ذلك كله، هو التحول في طبيعة الرسالة السعودية ذاتها، فالتصريحات تجاوزت الإدانة، وذهبت أبعد من ذلك لتربط مستقبل العلاقة مع إيران بشروط واضحة، تتمثل في احترام السيادة، وعدم التدخل، ووقف دعم الميليشيات، والالتزام بالقانون الدولي، كإطار تعاقدي جديد للعلاقة، يُعاد من خلاله تعريف حدود المقبول والمرفوض.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة العبارة اللافتة لوزير الخارجية: "هذه الحرب ستنتهي، لكن الثقة مع إيران قد تحطمت"، هذه الجملة تختزل تحولًا استراتيجيًا عميقًا، فبينما يمكن للحروب أن تتوقف بقرار سياسي، فإن الثقة تحتاج إلى سنوات لإعادة بنائها، إن أمكن ذلك أصلًا، وبالتالي، فإن الرسالة هنا تتجاوز اللحظة الراهنة لتؤسس لمرحلة طويلة من الحذر الاستراتيجي، وربما لإعادة تموضع شامل في العلاقات الإقليمية.
اللافت أيضًا أن الخطاب السعودي لم يقع في فخ التصعيد الخطابي، بل حافظ على توازن دقيق بين الحزم والانضباط، فبينما تم التأكيد على القدرة على الرد، تم في الوقت ذاته التشديد على أن الدبلوماسية تظل السبيل المفضل لحل الأزمات، ويعكس هذا التوازن ما يمكن وصفه بـ"إدارة الإيقاع السياسي"، حيث لا يُترك المجال للانزلاق نحو تصعيد غير محسوب، ولا يُسمح في الوقت ذاته بفرض واقع جديد بالقوة.
ومن زاوية أخرى، يحمل بيان الاجتماع الوزاري المشترك، رسائل غير مباشرة تتعلق بأمن الممرات الحيوية، مثل: مضيق هرمز وباب المندب، مع الإشارة إلى رفض أي تهديد للملاحة الدولية، والتأكيد على أن أمن الطاقة والتجارة العالمية خط أحمر، وأن أي محاولة للمساس به سيواجه برد جماعي، وهذا يعزز من تدويل القضية، ويضعها ضمن أولويات الأمن العالمي.
كما أن تضمين الملف اللبناني في البيان، مع التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة، يعكس رؤية أوسع تتجاوز المواجهة المباشرة مع إيران، لتشمل معالجة أدوات نفوذها في المنطقة، وهنا لا يتم التعامل مع الأعراض فقط، بل مع البنية التي تنتج هذه الأزمات، وهو ما يعكس نضجًا في المقاربة السياسية.
في المحصلة، يمكن القول إن ما صدر عن الرياض، قولًا وفعلًا، يمثل تحولًا من حيث "سياسة إعادة التشكيل"، فالهدف يتجاوز احتواء السلوك الإيراني، إلى إعادة رسم حدود النظام الإقليمي بطريقة تفرض قواعد جديدة للعبة، وتقوم هذه القواعد على مزيج من الشرعية القانونية، والتماسك السياسي، والقدرة على الرد، والانفتاح المشروط على الدبلوماسية، وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لهذه اللحظة، التي تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين القوة والمعنى في السياسة الإقليمية، فالمعادلة الجديدة التي تُبنى اليوم لا تقول إن الرد ممكن فقط، بل تؤكد أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن إدارة الاستقرار تمر عبر فرض معادلة ردع واضحة، لا تحتمل سوء الفهم.
بهذا المعنى، فإن رسائل وزير الخارجية السعودي، إعلان ضمني عن مرحلة جديدة، عنوانها "استقرار لا يُفرض بالتهدئة وحدها، بل يُصان بتوازن محسوب بين القوة والشرعية".