اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

حين يُعاد ترتيب المدينة من داخلها

حين يُعاد ترتيب المدينة من داخلها

klyoum.com

د. هاني بن محمد أبوراس

تشهد المدن الحديثة توسعاً متسارعاً يعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها، إلا أن هذا الاتساع لا يقترن بالضرورة بتحسن حقيقي في تجربة العيش داخلها، فكلما امتد العمران، تزايدت المسافات بين الإنسان واحتياجاته اليومية، وارتفعت كلفة الحركة زمنياً واقتصادياً، بما يكشف اختلالاً في تنظيم المدينة لا في نموها، وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بحجم النمو بقدر ما يتعلق بطبيعته: هل نحن أمام مدن تتطور، أم مدن تتسع فحسب؟

ولا يعود هذا التفاوت إلى النمو في ذاته، بقدر ما يرتبط بكيفية ترتيب عناصره بالنسبة لبعضها، فقد جرى التعامل مع مكونات المدينة بوصفها مجالات متفرقة، فالنقل يُدار كخدمة قائمة بذاتها، والعمران يتشكل بمعزل عن مسارات الحركة، بينما يتشكل النشاط الاقتصادي دون ارتباط كاف بسهولة الوصول إليه. ونتيجة لذلك، يضعف الترابط الداخلي، وتتباعد العناصر، فتتعاظم كلفة التنقل، ويتراجع أثر ما يُضخ من الاستثمار العام، لا لقصور في الموارد، بل لاختلال في تنظيم النسيج الحضري.

وفي مثل هذا السياق، لا يكون الاختلال في عناصر المدينة بقدر ما يكون في مواضعها، وهو ما يستدعي إعادة النظر في الدور الذي تؤديه الحركة داخلها. فالنقل، في صورته التقليدية، يُختزل في كونه وسيلة للانتقال، بينما يمكن، إذا أُعيد تأطيره، أن يصبح أداة لتنظيم العمران وتوجيه النشاط الاقتصادي. وعندئذٍ لا يعود مجرد استجابة لحركة قائمة، بل يصبح عاملاً في تشكيلها، ومحدداً لبنية المدينة ذاتها. وفي سياق التحولات الحضرية التي تشهدها المملكة، تكتسب هذه الزاوية أهمية خاصة، إذ لم يعد تطوير البنية التحتية للنقل غاية مستقلة، بل مدخلاً لإعادة تنظيم النمو الحضري على نحو أكثر ترابطاً وكفاءة.

ولا يقف أثر هذا التحول عند إعادة تنظيم المدينة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل اقتصادها أيضاً. إذ ظل النقل العام، كما يظهر في كثير من التجارب، يعتمد على عوائد تشغيلية محدودة لا تعكس حجم الاستثمارات الموجهة إليه، الأمر الذي رسخ النظر إليه بوصفه عبئاً مالياً مستمراً. غير أن إعادة وصله بمحيطه العمراني والنشاط الاقتصادي المرتبط به تفتح المجال أمام توليد قيمة متعددة، تتجاوز الإيرادات المباشرة إلى ما يرتبط بها من استخدامات عقارية وتجارية وخدمية. وعلى هذا الأساس، لا يعود النقل العام مشروعاً خدمياً قائماً بذاته، بل جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع تتكامل فيها الحركة مع المكان، فيتحول الاستثمار فيه من تكلفة تشغيلية إلى أصل مولد للقيمة.

وحين تنتظم العلاقة بين الحركة والعمران على هذا النحو، ينعكس ذلك على طبيعة الحياة داخل المدينة، لا بوصفه أثراً جانبياً، بل نتيجة مباشرة لهذا الترابط. إذ تتقارب المسافات، وتصبح إمكانية الوصول أكثر يسراً، وتتراجع الحاجة إلى الاعتماد المكثف على المركبة الخاصة، بما يغير طبيعة الحياة داخل المدينة على نحو أكثر توازناً. وفي هذا المستوى، لا تُطرح أنسنة المدن بوصفها هدفاً مستقلاً، بل كأثر طبيعي لمدينة أُحسن تنظيمها، وتكاملت مكوناتها، ووُجّه نموها بما يضع الإنسان في قلب معادلتها دون أن يُفصل عن سياقها الاقتصادي.

وامتداداً لذلك، يتخذ هذا التحول بعداً يتجاوز الإطار القطاعي ليقترب من مستوى مقاربة التنمية الحضرية على المستوى الوطني، إذ إن إعادة وصل النقل بالعمران والنشاط الاقتصادي لا ترفع كفاءة الموارد فحسب، بل تعيد تعريف ما يُنتظر من المدينة أن تنتجه. كما تفتح المجال أمام نماذج أكثر استدامة في تمويل المشروعات الحضرية وتشغيلها، ويتحول دور القطاع العام إلى تمكين منظومات أكثر تكاملاً، قادرة على جذب الشراكات وتحقيق توازن أفضل بين الكفاءة الاقتصادية وجودة الحياة، دون الإخلال بوظائف المدينة أو هويتها.

فلا يُقاس نجاح المدن بمدى اتساعها، بل بقدرتها على تنظيم هذا الاتساع بما يعزز ترابطها الداخلي، ويُيسِر وصول الإنسان إلى احتياجاته، ويجعل الحركة امتداداً طبيعياً للحياة، لا عبئاً عليها.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com