اخبار السعودية

صحيفة الوئام الالكترونية

منوعات

ترمب يعلن عن اتفاق تجاري بين أمريكا والهند

ترمب يعلن عن اتفاق تجاري بين أمريكا والهند

klyoum.com

في ليلة الثاني من فبراير 2006، كان البحر الأحمر يبدو هادئًا ومخادعًا قبالة سواحل "ضبا" السعودية. السفينة العملاقة "السلام بوكاشيو 98″، التي كانت تحمل على متنها أكثر من 1400 روح، غادرت الميناء في رحلة روتينية كان من المفترض أن تنتهي بعناق الأحبة في ميناء سفاجا المصري.

لكن القدر كان يكتب سيناريو آخر في باطن السفينة، وتحديدًا في طابق المركبات (المرأب)، حيث بدأت شرارة صغيرة ترسم معالم واحدة من أسوأ الكوارث البحرية في التاريخ الحديث.

المأساة لم تبدأ بالغرق، بل بقرار.

فبعد وقت قصير من الإبحار، وتحديدًا على بعد نحو 15 ميلًا بحريًا فقط من الشاطئ، انطلقت صافرات الإنذار في قمرة القيادة معلنة وجود حريق في المخازن.

هنا، توقف الزمن للحظات.

كشفت التسجيلات الصوتية للصندوق الأسود (VDR) لاحقًا عن الحوار الذي حسم مصير المئات؛ حيث اقترح بعض الضباط العودة الفورية إلى ميناء المغادرة للسيطرة على الموقف بأمان، إلا أن القبطان "سيد عمر" اتخذ القرار الذي سيطارده التاريخ: مواصلة الرحلة.

كان التقدير الأولي أن الحريق "محدود" ويمكن السيطرة عليه باستخدام أنظمة الإطفاء الذاتية أثناء الإبحار، خوفًا ربما من تعطل الجدول الزمني أو المساءلة الإدارية، دون أن يدرك أن النيران في الأسفل كانت تستعد لابتلاع كل شيء.

لم يكن البحر هو العدو في تلك الساعة الأولى، إنها "الثقة المفرطة" في القدرة على احتواء الكارثة.

استمرت السفينة تشق طريقها نحو عمق البحر المظلم، تبتعد مع كل دقيقة عن بر الأمان، بينما كان الدخان يتصاعد بصمت من أحشائها، محولًا الرحلة 98 من مجرد رقم في سجلات الملاحة إلى عنوان للفاجعة.

"تأثير السطح الحر".. هكذا أغرقت الفيزياء "العبّارة السلام"؟

بينما كانت العبارة تشق طريقها وسط الظلام، تحولت ساحة المعركة الحقيقية إلى الطوابق السفلية ، حيث دار صراع يائس ضد قوانين الفيزياء.

الطاقم، في محاولة مستميتة للسيطرة على الحريق المتصاعد، ضخ كميات هائلة من مياه البحر عبر خراطيم الإطفاء. كانت النية هي الإنقاذ، بينما النتيجة كانت كارثية.

المأساة الفنية، التي كشفتها التحقيقات لاحقًا، هي أن نظام تصريف المياه (Scuppers) في العبارة كان عاجزًا عن العمل بكفاءة؛ إما لانسداد الفتحات بالحطام والبضائع، أو لعدم كفاية سعة التصريف مقارنة بضخامة المياه التي تم ضخها.

هنا، بدأت ظاهرة فيزيائية قاتلة تُعرف بـ "تأثير السطح الحر" (Free Surface Effect) في العمل. المياه المتراكمة على أرضية الجراج لم تكن مجرد وزن إضافي، بل تحولت إلى كتلة سائلة هائلة ومتحركة، تندفع بقوة مع كل موجة تضرب السفينة، ضاربةً استقرار العبارة في مقتل.

بدأت السفينة تميل تدريجيًا إلى الجانب الأيمن. شعر الركاب بالخطر؛ فالأطباق تنزلق من الطاولات، والمشي في الممرات أصبح صعبًا. وبدلًا من إيقاف الضخ وتفريغ المياه لاستعادة التوازن، استمرت المعركة الخاطئة.

وصل الميل إلى درجات حرجة تجاوزت قدرة السفينة على التعديل الذاتي. وفي لحظة درامية، حين حاول القبطان إجراء مناورة للدوران للعودة أو تعديل المسار، تضافرت قوة الطرد المركزي مع كتلة المياه السائلة الحرة بالداخل، لتنقلب السفينة بسرعة مرعبة.

لم يغرقها الحريق، مياه الإطفاء التي حُبست داخلها فعلت، ليتحول الهيكل الفولاذي الضخم في دقائق معدودة إلى مقبرة غارقة.

ملحمة البقاء.. حين صار البحر مقبرة

في تمام الساعة الواحدة والنصف صباحًا، انقطعت الكهرباء وساد ظلام دامس لم يقطعه إلا صرخات الفزع وصوت ارتطام الأجساد بالمياه الباردة. السفينة انقلبت بالكامل، وفي دقائق، وجد أكثر من ألف إنسان أنفسهم في مواجهة بحر هائج، بلا سترات نجاة كافية، وبلا قوارب إنقاذ تُذكر.

هنا، وفي قلب هذا الجحيم المائي، سُطرت قصص إنسانية فاقت الخيال، حيث تجلت غريزة البقاء في أقصى درجاتها، وتداخلت شجاعة التضحية مع قسوة القدر.

من بين الأمواج المتلاطمة، برزت قصة "محمد"، أحد الناجين الذي روى كيف تحول قارب النجاة المطاطي الصغير -المصمم لثلاثين شخصًا- إلى طوق نجاة لأكثر من 150 شخصًا تكدسوا فوقه، بينما تشبث العشرات بحباله الجانبية لساعات، يصارعون البرد وأسماك القرش التي بدأت تحوم حول الجثث.

يروي ناجٍ آخر، كيف شاهد أبًا يربط طفلته الصغيرة في ظهره بقطعة قماش، محاولًا السباحة بها لساعات، لكنه وصل للشاطئ وحيدًا بعد أن ابتلع البحر فلذة كبده، في مشهد يختصر قسوة تلك الليلة.

لم تكن المعركة مع الماء فقط، بل مع الوقت. استمر الناجون يصارعون الأمواج لأكثر من 10 ساعات كاملة قبل وصول أولى قطع الإنقاذ.

شهادات "حسن"، أحد أفراد الطاقم الناجين، وثقت كيف تحول البحر إلى ساحة صامتة مع شروق الشمس، حيث اختفت الصرخات تدريجيًا، ولم يبقَ إلا صوت الرياح وأجساد تطفو بصمت.

تلك الساعات الطويلة، التي فصلت بين الغرق والإنقاذ، كانت هي الفاصل الحقيقي بين الحياة والموت للمئات الذين قهرهم انخفاض حرارة الجسم قبل أن يقتلهم الغرق.

كيف أعادت "السلام" رسم بروتوكولات الأمان البحري عالميًا؟

لم تكن كارثة "السلام 98" مجرد حادثة عابرة، وإنما نقطة تحول مفصلية دقت ناقوس الخطر في أروقة المنظمة البحرية الدولية (IMO). واليوم، ونحن نقف على بعد عقدين من تلك الليلة الظلماء، يبرز السؤال الأهم: هل أصبحت رحلاتنا البحرية أكثر أمانًا؟

الإجابة تكمن في التغييرات الجذرية التي طرأت على معاهدة "سولاس" (SOLAS) لسلامة الأرواح في البحار، والتي فُرضت بدم الضحايا.

أهم الدروس القاسية التي فُرضت بعد الكارثة هو تشديد الرقابة الصارمة على "العبارات القديمة" (Roll-on/Roll-off ferries). فبعد أن كشفت التحقيقات عن قصور في تعديلات التصميم التي أجريت على السفينة لزيادة سعتها، باتت القوانين الدولية تمنع إجراء أي تعديلات هيكلية تؤثر على استقرار السفينة دون مراجعة دولية دقيقة.

كما تم فرض بروتوكولات جديدة لإدارة الأزمات، تمنع القبطان من اتخاذ قرارات فردية بالاستمرار في الرحلة عند نشوب أي حريق، وتلزم السفن بأنظمة إخماد حريق متطورة لا تعتمد فقط على ضخ المياه الذي يسبب الغرق، بل تشمل أنظمة الرذاذ والغازات الخاملة.

"السلام 98" غاصت في القاع، لكنها تركت "وصية" مكتوبة بقوانين صارمة، تضمن -نظريًا وعمليًا- ألا تتكرر مأساة "الموت المجاني" في عرض البحر مرة أخرى.

*المصدر: صحيفة الوئام الالكترونية | alweeam.com.sa
اخبار السعودية على مدار الساعة