المملكة.. ملاذ الجَمال الآمن
klyoum.com
أخر اخبار السعودية:
هجمات إيران على دول الخليج صباح الخميس منها مهاجمة أكبر حقل غاز مسال في قطرمحمد العتيبي
وسط الأزمات والصراعات والاستقطابات الحادة والعنف والاضطرابات، وحالات عدم اليقين التي تعصف بالعالم اليوم وتهدد ما بقي من إنسانيته، يبدو أن المملكة اختارت "الجمال" ليكون ملاذها الآمن وسلاحها المضاد لمواجهة القبح الأخلاقي والجوع الروحي والعبث القيمي الذي بات يغذي معاناة الشعوب ويفاقمها.
انحياز المملكة إلى خيار "الجمال" بوصفه قوة ناعمة قادرة على انتشال الإنسان من محنه المتلاحقة التي تشوه هويته، لم يكن خيارًا رفاهيًا أو متعة عابرة، بل قرار مدعوم بإرادة متبوعة بأفعال، وهو في أول الأمر وآخره تجسيد عملي للتحول النوعي في المشهد الثقافي والفني الذي شهدته المملكة مع تباشير رؤيتها الواعدة 2030، وتعبير عن عقل القيادة ورؤيتها تجاه مستقبل السعودية والصورة الذهنية التي أخذت في تشكيل ملامحها خطوة بخطوة.
أدركت الرؤية أن الثقافة والفنون وما يتفرع عنهما من علوم وتجليات "الجمال"، تتجاوز في معناها الفعاليات والمهرجانات وكسر رتابة سكون الفضاء لما هو أبعد، لتشمل في إطار أوسع بناء مؤسسات معرفية وتعليمية وهيئات بحثية قادرة على إعادة صياغة العلاقة بين الثقافة والاقتصاد والتنمية وقبل كل ذلك "الإنسان".
من هنا؛ يمكننا قراءة إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، والقرار الملكي بتأسيس جامعة الرياض للفنون، وقبل ذلك تأسيس "دار الأوبرا الملكية"، وغيرها من الهيئات والمؤسسات وبيوت الفنون والموسيقى والأزياء والثقافة، والتي جميعها تصطف ضمن لوحة فسيفسائية تعبيرية عن فلسفة المملكة تجاه "الفن والجمال"، بوصفه اقتصاداً إبداعياً ومعرفياً أعمق من كونه مجرد مشهد حسي وترفيهي لحظي.
وصولًا إلى تلك الغاية؛ كان لا بد من العودة إلى الأساس والجوهر، وهو "الإنسان"، فجاء قرار تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا، لتأسيس قاعدة علمية ومعرفية لفهم وتحليل المجتمع السعودي وتحولاته، وتتبّع جذوره وأنماطه الحياتية ومسوغات هويته، وتقاليده، وعاداته، وتفاصيله السيكولوجية، وتحديد ملامح وحدود خريطته الثقافية والبشرية، وتوثيق تراكماته الحضارية وصولًا إلى رؤية علمية ومنهجية مؤسسية قادرة على حفظ الموروث الإنساني السعودي، و"أرشفته" على اعتباره منجماً لتوليد الفنون التقليدية الأصيلة، وتطويرها واستدامتها، ونشرها على الصعد كافة، مع الأخذ بالاعتبار العمق والتنوع التاريخي والحضاري والاجتماعي للمملكة، ما يجعل منها بيئة خصبة للدراسة والتحليل على صعيد اللغة والتعبير الشفهي والفنون الأدائية والبصرية والثقافية.
ثم جاء تأسيس جامعة الرياض للفنون، كنتاج لمبادرات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، والتي تُعنى بتنمية وتحفيز القدرات الثقافية الوطنية، وتمكينها في التخصصات الإبداعية، من خلال بيئة تعليمية متقدّمة قادرة على إنعاش الحراك الثقافي، وتحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية تسهم في خلق نواة للاقتصاد الإبداعي المنشود.
بلا شك، إن التقاء قرار إنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا مع تأسيس جامعة الرياض للفنون، هدفه بلورة نموذج عالمي تكاملي يجمع بين إنتاج المعرفة العلمية والبحثية حول المجتمع وتحولاته الثقافية والحضارية من خلال المعهد، وبين الجامعة القادرة على تحويل هذا النتاج المعرفي إلى ممارسات إبداعية وصناعات ثقافية قابلة "للتصدير"، وتمثل فيما بينها ركائز راسخة لانتقال المملكة نحو الاقتصاد المعرفي من ناحية، وتدشن جادة نحو آفاق جمالية وإبداعية قادرة على إعادة تعريف الفن والثقافة ضمن أولوياتنا الإنسانية باعتبارها أداة للنجاة من هذا التغول والتزييف الذي فرضته بشاعة العنف المحيط بنا، ووسيلة لاستعادة قيمة الإنسان، وإنسانية الحضارة.
يقول دوستويفسكي: "إن الجمال سوف ينقذ العالم"، وكذلك تفعل المملكة لإنقاذ العالم.