اخبار السعودية

جريدة الرياض

ثقافة وفن

نظرية المؤلف

نظرية المؤلف

klyoum.com

خالد الحلوة

تعد نظرية المؤلف من المفاهيم الأساسية في الدراسات الثقافية والإعلامية، وقد ارتبطت بتحولات كبيرة في الآداب والعلوم الإنسانية في النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع ظهور البنيوية وما بعدها.

نظرية المؤلف في الغالب لا تناقش المؤلف بوصفه شخصاً بذاته، بل بوصفه وظيفة معرفية ومرجع تفسيري داخل النص الثقافي أو الإعلامي، في التصور التقليدي، كان المؤلف يُنظر إليه باعتباره المصدر النهائي للمعنى، والضامن الأخير لتفسير النص. العمل الأدبي أو الثقافي كان يفهم انطلاقاً من نوايا المؤلف وسيرته وخلفيته النفسية والاجتماعية. هذا التصور هيمن طويلاً في النقد الكلاسيكي والرومانسي، حيث ارتبطت قيمة النص بعبقرية المؤلف نفسه وانفراده.

بداية التحول جاءت مع مقال للمفكر الفرنسي الشهير رولان بارت بعنوان (موت المؤلف) الصادر عام 1967م، حيث قدم بارت نقداً لمركزية المؤلف، معتبراً أن ربط المعنى بنوايا المؤلف يقيد النص ويغلق احتمالات التفسير والدلالات. في هذا السياق، أكد بارت أن النص ليس تعبيراً عن ذات فردية، بل هو نسيج من الاقتباسات والأصوات والخطابات السابقة عليه. والمعنى لا يولد من نية المؤلف، بل من فعل القراءة نفسه. وبهذا الوصف، ينتقل مركز الثقل من المؤلف إلى القارئ، ويصبح النص فضاء مفتوحاً للتأويل المتعدد.

لاحقاً، قدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو معالجة مختلفة ولكنها مكملة لهذا الاتجاه. في محاضرته الشهيرة (ما المؤلف؟) عام 1969م، لم يعلن فوكو موت المؤلف بالمعنى البلاغي الذي استخدمه بارت، بل سعى إلى تفكيك ما أسماه (وظيفة المؤلف). المؤلف عند فوكو ليس شخصاً طبيعياً فقط، بل وظيفة تنظيمية داخل الخطاب، تحدد ما الذي يعد نصاً، وما الذي يُستبعد، وكيف يُقرأ، وكيف يُصنف. وظيفة المؤلف ترتبط بالسلطة، وبالملكية الفكرية، وبالمؤسسات الثقافية والقانونية التي تمنح الاسم قيمة وتفرض عليه ضوابط. بهذا المعنى، المؤلف ليس غائباً تماماً، بل يعاد تعريفه بوصفه نتاجاً لبنية ثقافية ومعرفية.

في الدراسات الثقافية والإعلامية، اكتسبت نظرية المؤلف أهمية خاصة، لأن هذا الحقل يهتم بالثقافة بوصفها ممارسة اجتماعية، وليس مجرد نصوص معزولة. من هذا المنظور، لا يعد المؤلف مصدراً سيادياً للمعنى، بل جزءا من شبكة أوسع تضم الإيديولوجيا، والسياق التاريخي، وعلاقات السلطة، والجمهور. فالنصوص الإعلامية، والسينمائية، والتلفزيونية، والرقمية، لا تنتج فقط عن نية فرد واحد، بل عن منظومات إنتاج وتوزيع واستهلاك معقدة. لذلك، تم توظيف نظرية المؤلف لفهم كيف تعمل السلطة الثقافية، وكيف يتم تثبيت معاني معينة بوصفها مقبولة وأخرى خارج الدائرة.

وفي هذا السياق، تظهر نظرية المؤلف بشكل مختلف. مثلاً، في السينما، وفي وقت سابق، ظهرت نظرية سينمائية تعامل المخرج بوصفه صاحب رؤية خاصة ومصدر إلهام، فهو المؤلف الأساسي للفيلم. لكن الدراسات الثقافية لاحقاً انتقدت هذا التوجه، مؤكدة أن الفيلم نتاج عمل جماعي وصناعي، وأن المعنى يتشكل أيضاً عبر التلقي والسياق الثقافي. الأمر نفسه ينطبق على برامج التلفزيون والمسلسلات، ويمتد أيضاً إلى وسائل التواصل الرقمي حالياً، حيث تتفتت فكرة المؤلف أصلاً، ويصبح المحتوى نتاج تفاعلات جماعية، وخوارزميات، ومنصات متنوعة.

في ضوء ذلك، نظرية المؤلف في الدراسات الثقافية والإعلامية لا تدعو لإلغاء الأفراد، بل تسعى لتحرير المعنى من السلطة الأحادية، وفهم النصوص بوصفها ظواهر ثقافية معقدة. المؤلف لم يعد مركز التفسير، بل أحد عناصره. هذا التحول فتح المجال أمام قراءات نقدية أكثر ثراء، وربط النصوص بالسلطة والهوية والإيديولوجيا، وهو ما جعل تفكيك نظرية المؤلف أداة أساسية في التحليل الثقافي والإعلامي المعاصر.

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة