اخبار السعودية

جريدة الرياض

سياسة

موانع الإنجاز

موانع الإنجاز

klyoum.com

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

الغلو في كل شيء يفرّغه عن مضمونه النافع، فمثلًا: من أسباب الإنجاز أخذ الحيطة ‏والحذر قبل الإقدام على العمل، ولو أفرط الإنسان في ذلك لانقلبت الوسيلة آلةً، وصارت ‏هذه الاحتياطات منتهى همته ومبلغ قصده، وفاته الإنجاز، وقد نبّهنا الله تعالى على تجنّب ‏آفة الإفراط والتفريط فقال: "ولا تجعلْ يدكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"..

على الإنسان أن يصرف وقته فيما يصلح به معاده الذي سيؤول إليه على كل حالٍ؛ ‏ولإصلاحه بعبادة الله تعالى، كما أن عليه العمل فيما يصلح به معاشَه ‏الذي يعدُّ إصلاحُه من عمارة الأرض والإصلاح فيها، وهاتان المهمتان تتلاقيان بإخلاص ‏النية، فمن طلب رزقه كما أُمرَ وأخلص النية في ذلك فهو في عبادة، والموفّق من جدَّ في أداء ‏هاتين الوظيفتين وهو مستشرفٌ للمستقبل، لا تقطعه المصاعب التي لا تنفك عنها هذه ‏الحياة، ولا تحبط إرادتَه التحديات التي تعترضه، ولا يتعامل معها -إن حدثت- على أنها ‏قاضيةٌ على آماله ولا محالةَ، بل يبقى مستعيناً بالله ومحسناً الظنَّ به مستصحباً للتفاؤل، آخذاً ‏من أسباب التدبير بما أمكنَه، وهذا من أهم أسباب الإنجاز بتوفيق الله تعالى، وأما المهمل ‏فبالعكس من هذا يتكاسل عن تعاطي المنافع، وينتظر أول عائق يصادفه في الطريق؛ ليعود ‏أدراجه، ويحتجُّ على تقاعسه بأن الطريق مسدودٌ، كما أنه لا يخلو من التشاؤم، ويتخيل أن ‏الإنجازات أكبر منه، وهذه الخصال من موانع الإنجاز التي لا يكاد يتحقق معها، ولي مع ‏موانع الإنجاز وقفات:‏

الأولى: من موانع الإنجاز التخلّي عن الاعتدال في مزاولة الأمور؛ وذلك لأن إنجاز الإنسان لمهامّه ‏الدينية والدنيوية يحتاج إلى التحليّ بالاعتدال في أموره، أما الدين فمعلوم أن شرعنا الحنيف ‏مبنيّ على الاعتدال والوسطية، وأن العبادات لها أركان إذا فرّط فيها الإنسان عدمت العبادة، ‏وأنه لو غلا وأفرط وزاد فيها لكان مسيئاً مبتدعاً، ولكان عمله مردوداً عليه، هذا في الكيفية، ‏وأما في المقدار فالإخلال والتفريط فيه مذمومٌ؛ لمخالفته الجدّ في العبادة، وكذلك التنطّع ‏والإفراط؛ لأنه مخالف للهدي النبويّ؛ ولأنه من أسباب الانقطاع، وأما أمور الدنيا ومصالحها ‏فواضح احتياجها إلى الاعتدال والتوسّط، ومن المتقرر عند العقلاء أن الإفراط في الشيء ‏يعطي نتائج عكسية؛ ولهذا قيل في المثل: "الشيء إذا خرج عن حده انقلب إلى ضده"، ‏فالغلو في كل شيء يفرّغه عن مضمونه النافع، فمثلا: من أسباب الإنجاز أخذ الحيطة ‏والحذر قبل الإقدام على العمل، ولو أفرط الإنسان في ذلك لانقلبت الوسيلة آلةً، وصارت ‏هذه الاحتياطات منتهى همته ومبلغ قصده، وفاته الإنجاز، وقد نبّهنا الله تعالى على تجنّب ‏آفة الإفراط والتفريط فقال: "ولا تجعلْ يدكَ مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً"، فالإفراط في البذل يرتجي منه المبذرون أن يمدحوا ويُشاد بهم، لكنه يجلب ‏عليهم عكس ذلك وهو الملامة وسوء القالة.

الثانية: التشتت وعدم التركيز، فمن العادات الشائعة عند المخفقين كثرة الخروج والولوج من ‏الأبواب، فيشرع في هذا العمل أو تعلّم هذا العلم، ثم يملّ منه، ويتركه إلى غيره، وهلمّ جرّاً، ‏ويقبل على صداقة فلان بكل أريحيّة، ثم ينقبض عنه بلا سبب، وربما أوهمته نفسه أن محاولة ‏الجمع بين مهامّ كثيرة من قبيل علو الهمة والتفنّن والجمع بين التخصصات والمهارات التي لا ‏تجتمع إلا لخواصّ الناس وأفذاذهم، وهذا خطأ، فخواصّ الناس لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من ‏الجمع بين المهارات والعلوم بعد فضل الله تعالى إلا بالتركيز وتنظيم الوقت والجهد، وليسوا ‏عشوائيين في تعاطي ذلك، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الانتظام في ‏العبادات، وأنه أفضل من التنقل بين الأعمال مع الانقطاع والتخلي عنها، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "أدومه وإن قلَّ" أخرجه مسلم.‏

الثالثة: الاغترار بالحاصل، فبعض الناس إذا أنجز مهمة قال بلسان حاله أو مقاله: أنا أنجزتُ ‏وهذا رصيد يكفيني في سجلّ الإنجازات، وهذا خطأ؛ فالإنجاز لا يعدو أن يكون حلقة من ‏سلسلة العمل التي لا يسوغ أن تنقطع ما دام الإنسان حيّاً، وصدق من قال:‏

إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَ أنهُ

قضى عملاً والمرءُ ما عاشَ عاملُ

ثم إنّ العبادات لا يسوغ للإنسان أن يُعجب فيها بعمله؛ لأنها أداءٌ لحق الله تعالى، ومن ‏الخطأ أن يتخيّل الإنسان أنه قضى من حقّ ربّه ما ينبغي أن يقضيَه، لكن يسدّد ويقارب، ‏ويأمل أن يقبلَ منه جهده، ويتجاوز عن تقصيره، وإلّا فلولا فضلُ الله تعالى ورحمته بعباده لم ‏يدخل أحدٌ الجنةَ بعمله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يدخل أحدا عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ‏قال: "لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة»، متفق عليه.‏

*المصدر: جريدة الرياض | alriyadh.com
اخبار السعودية على مدار الساعة